للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الصابوني: " أي لا تقربوهن ليلاً أو نهاراً ما دمتم معتكفين في المساجد" (١).

قال النسفي: " بيّن أن الجماع يحل في ليالي رمضان لكن لغير المعتكف" (٢).

قال قتادة: "كان الرجل إذا خرج من المسجد وهو معتكف ولقي امرأته باشرها إن شاء، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك، وأخبرهم أنّ ذلك لا يصلح حتى يَقضيَ اعتكافه" (٣).

وقال مالك بن أنس: لا يمس المعتكف امرأته، ولا يباشرُها، ولا يتلذذ منها بشيء، قُبلةٍ ولا غيرها" (٤).

وذكر (المباشرة) عقب قوله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} لئلا يظن أن المباشرة المأذون فيها شاملة حال الاعتكاف؛ والضمير «هن» يعود على النساء؛ وجملة: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} حال من الواو في قوله تعالى: {لَا تُبَاشِرُوهُنَّ}؛ و {عاكفون} اسم فاعل من عكف يعكف؛ والعكوف على الشيء ملازمته، والمداومة عليه؛ ومنه قول إبراهيم عليه السلام لقومه: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: ٥٢]، أي مديمون ملازمون؛ والاعتكاف في الشرع هو التعبد لله سبحانه وتعالى بلزوم المساجد لطاعة الله (٥).

قال الطبري: "والعكوف، أصله المقام، وحبسُ النفس على الشيء، كما قال الطِّرِمَّاح بن حَكيم (٦):

فَبَاتَ بَنَاتُ اللَّيْلِ حَوْلِيَ عُكفًّا ... عُكُوفَ البَواكِي بَيْنَهُنَّ صَرِيعُ

يعني بقوله: (عكفا)، مقيمة، وكما قال الفرزدق (٧):

تَرَى حَوْلَهُنَّ المُعْتَفِينَ كأنَّهُمْ ... عَلَى صَنَمٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ عُكَّفُ " (٨)

وقد اختلف أهل التأويل في معنى (المباشرة) التي عنى الله بقوله: {وَلا تُبَاشِرُوهُنََّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: ١٨٧]، وفيه أقوال (٩):

أحدها: عني بالمباشرة: الجماع، دون غيره من معاني (المباشرة). وهذا قول ابن عباس (١٠)، وعطاء (١١)، والضحاك (١٢)، والربيع (١٣)، وقتادة (١٤)، والسدي (١٥)، ومجاهد (١٦). وهو قول الأكثرين (١٧).


(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩.
(٢) انظر: تفسير النسفي: ١/ ١٠٦ - ١٠٧. قال النسفي: والجملة في موضع الحال، وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد وأنه لا يختص به مسجد دون مسجد.
(٣) تفسير الطبري (٣٠٤٣): ص ٣/ ٥٤١.
(٤) أخرجه الطبري (٣٠٥٠): ص ٣/ ٥٤٢.
(٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢٤٩.
(٦) ديوانه: ١٥٣، واللسان (بنو) غير منسوب عن ثعلب، ورواه: " بينهن قتيل ". وقال الثعالبي في المضاف والمنسوب: ٢١٩: " بنات الليل ": الأحلام، والنساء، وأهوال الليل، والمنى، وبكلها جاء الشعر ". وأراد الطرماح: ما يعالج من ذكرى صاحبته، وما يخالط ذلك من منى وهموم وشقاء يشقى به من حسرة وشوق ولهفة. وهو بيت جميل المعنى، جيد التصوير. جعل ذكرياته قد استدارت حوله تبكي عليه، وهو بينهن صريع قد قضى نحبه.
(٧) ديوانه: ٥٦١، والنقائض: ٥٦٣، من أبيات جياد يصف فيها قدور أهله الكرام، يقول قبله:
وَقَدْ عَلِمَ الأَقْوامُ أنّ قُدُورنَا ... ضَوَامِنُ للأرْزَاقِ والرِّيحُ زَفْزَفُ
نَعَجِّلُ للضِّيفَانِ في المَحْلِ بالقِرَى ... قُدُروًا بمَعْبُوطٍ، تُمَدُّ وتُعْزَفُ
تُفَرَّغُ فِي شِيزَىَ كأنَّ جِفَانَهَا ... حِيَاضُ جِبًي، منها مِلاءٌ ونُصَّفُ
الشيزى: خشب منه القدور تصنع. حياض جبي: حياض يجمع فيها الماء فهي ملأى أبدا. والمعتفون: الذين جاءوا يطلبون الرزق. يصفهم جياعا قد ثبتوا في أماكنهم ينتظرون، متلهفين وهم يكظمون أنفسهم، قد ماتت أصواتهم، كأنهم عباد قد خشعوا وخضعوا وأملوا.
(٨) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٣٩.
(٩) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٤٠ ومابعدها.
(١٠) تفسير الطبري (٣٠٣٧): ص ٣/ ٥٤٠.
(١١) تفسير الطبري (٣٠٣٨): ص ٣/ ٥٤٠.
(١٢) تفسير الطبري (٣٠٣٩): ص ٣/ ٥٤١.
(١٣) تفسير الطبري (٣٠٤٢): ص ٣/ ٥٤١.
(١٤) تفسير الطبري (٣٠٤٣): ص ٣/ ٥٤١.
(١٥) تفسير الطبري (٣٠٤٤): ص ٣/ ٥٤١.
(١٦) تفسير الطبري (٣٠٤٥): ص ٣/ ٥٤١.
(١٧) وقال به: الطبري في جامع البيان: ٣/ ٥٠٤، والسمرقندي في بحر العلوم: ١/ ١٩٦، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ٢٠٧، والماوردي في النكت والعيون: ١/ ٢٤٥، والسمين في الدر المصون: ١/ ٤٧٥، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣١٣، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١٠٣، والألوسي في روح المعاني: ٢/ ٦٥. وذكر الرازي في مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٧١ "عن الأصم أن المباشرة في الآية الجماع وما دونه، وهو قول مردود، محجوج بقول من سبق من أئمة التفسير"، على أن مكياً في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: ١٥٥، والرازي في مفاتيح الغيب: ٥/ ١١٦ قد ذكرا أنه لا اختلاف في ذلك.

<<  <  ج: ص:  >  >>