والثاني: الخيطُ الأبيض: هو ضوء الشمس، والخيط الأسود: هو سوادُ الليل. وهذا قول علي (١)، وروي عن ابراهيم التيمي (٢)، والبراء (٣)، وعبدالله بن مسعود (٤)، وسالم مولى أبي حذيفة (٥)، إبراهيم (٦)، وحبان بن الحارث (٧)، نحو ذلك.
وعلة من قال هذا القول: أنَّ القول إنما هو النهارُ دون الليل. قالوا: وأول النهار طلوعُ الشمس، كما أنّ آخرَه غروبُها. قالوا: ولو كان أوله طلوعُ الفجر، لوَجب أن يكون آخرَه غروبُ الشفق. قالوا: وفي إجماع الحجة على أنَّ آخر النهار غروب الشمس، دليلٌ واضح على أن أوله طلوعها. قالوا: وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تسحر بعد طُلوع الفجر، أوضحُ الدليل على صحة قولنا (٨).
وعن زر، عن حذيفة قال:" كان النبي صلى الله عليه وسلم يتسحَّر وأنا أرى مواقعَ النَّبل. قال: قلت أبعدَ الصبح؟ قال: هو الصبح، إلا أنه لم تطلع الشمس"(٩).
وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" إذا سمع أحدكم النداءَ والإناءُ على يده، فلا يضعه حتى يقضيَ حاجته منه "(١٠).
وعن أبي أمامة قال: أقيمت الصلاة والإناءُ في يد عمر، قال: أشرَبُها يا رسول الله؟ قال: نعم! ، فشربها" (١١).
والصواب-والله أعلم- ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " {الخيط الأبيض} بياض النهار، و {الخيط الأسود} سوادُ الليل" (١٢). وهو المعروف في كلام العرب، قال أبو دُؤاد الإياديّ (١٣):
(١) انطر: تفسير الطبري (٣٠٠١): ص ٣/ ٥١٩، و (٣٠١٠): ص ٣/ ٥٢٤. (٢) انظر: تفسير الطبري (٢٩٩٨): ص ٣/ ٥١٧ - ٥١٨. (٣) انطر: تفسير الطبري (٣٠٠٢): ص ٣/ ٥٢٠. (٤) انطر: تفسير الطبري (٣٠٠٣): ص ٣/ ٥٢٠. (٥) انطر: تفسير الطبري (٣٠٠٤): ص ٣/ ٥٢٠ - ٥٢١. (٦) انطر: تفسير الطبري (٣٠٠٥)، و (٣٠٠٦)، و (٣٠٠٧)، و (٣٠٠٨): ص ٣/ ٥٢٠ - ٥٢٢. (٧) انطر: تفسير الطبري (٣٠٠٩): ص ٣/ ٥٢٣. (٨) تفسير الطبري: ٣/ ٥٢٤. (٩) تفسير الطبري (٣٠٢٣)، و (٣٠١٢): ص ٣/ ٥٢٥. (١٠) تفسير الطبري (٣٠١٥) ص: ٣/ ٥٢٦. والحديث رواه أحمد في المسند: ١٠٦٣٧ (٢: ٥١٠ حلبي)، عن روح بن عبادة، بهذا الإسناد واللفظ. ورواه أحمد أيضًا: ٩٤٦٨ (٢: ٤٢٣ حلبي)، عن غسان بن الربيع، عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. وقرن إليه إسنادا آخر مرسلا، عن يونس، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه أبو داود: ٢٣٥٠، عن عبد الأعلى بن حماد النرسي. عن حماد بن سلمة، به. وكذلك رواه الحاكم في المستدرك ١: ٤٢٦، من طريق عبد الأعلى، وقال الحاكم: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه ". ووافقه الذهبي. (١١) تفسير الطبري (٣٠١٧): ص ٣/ ٥٢٧. رواه الطبري بإسنادين: فرواه عن بن حميد، عن يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد - ثم استأنف إسنادا آخر، فرواه عن محمد بن علي بن الحسن، عن أبيه، عن الحسين بن واقد، فاجتمع الطريقان في الحسين بن واقد، عن أبي غالب، إلخ. ويحيى بن واضح: هو أبو تميلة، مضت ترجمته: ٣٩٢. أبو غالب: هو صاحب أبي أمامة، وقد اختلف في اسمه: فقيل: " حزور "، بفتح الحاء المهملة والزاي والواو المشددة وآخره راء. وقيل: " سعيد بن الحزور "، وهو الذي اقتصر عليه ابن سعد ٧/ ٢/٧. واختصر البخاري في الكبير ٢/ ١/١٢٤ على " حزور ". وترجمه ابن أبي حاتم في الترجمتين ١/ ٢/٣١٥ - ٣١٦، ثم ٢/ ١/١٣، وقال في الموضع الثاني: " وحزور أصح ". وهو ثقة، وتكلم فيه بعضهم. ووثقه الدارقطني، وحسن الترمذي بعض أحاديثه، وصحح بعضها. مترجم في التهذيب ١٢: ١٩٧ - ١٩٨. أبو أمامة: هو الباهلي، واسمه: " صدي " بضم الصاد وفتح الدال المهملتين وتشديد الياء " بن عجلان ". وهو صحابي معروف مات سنة ٨٦ وقد جاوز المئة، لأنه ثبت أنه كان ابن ٣٠ سنة أو ٣٣. ووقع في ابن سعد ٧/ ٢/١٣١ - ١٣٢ أنه مات وهو ابن ٦١ سنة! وهو خطأ فاحش. وهذا الحديث صحيح الإسناد. (١٢) أخرجه احمد (١٨٨٨٥): ص ٤/ ٣٧٧، والترمذي (٢٩٧٠): ص ٥/ ١٩٥. (١٣) الأصمعيات: ٢٨ من أبيات. يصف فرسا خرج عليه للصيد، واللسان (خيط). وفي الأصمعيات: " خير أنارا " ولا معنى لها. والسدفة: ظلمة الليل في لغة نجد، والضوء في لغة قيس، وهي أيضًا: اختلاط الضوء والظلمة جميعا، كوقت ما بين صلاة الفجر إلى أولى الإسفار. قال عمارة: ظلمة فيها ضوء من أول الليل وآخره، ما بين الظلمة إلى الشفق، وما بين الفجر إلى الصلاة. وأراد أبو دؤاد اختلاط الظلمة والضوء. ولاح: بدا وظهر من بعيد. والخيط: اللون هنا يكون ممتدا كالخيط.