قال ابن عثيمين:"أي لكم الأكل، والشرب، حتى يظهر ظهوراً جلياً يتميز به بياض النهار من سواد الليل"(٣).
وقد اختلف العلماء في تفسير قوله تعالى {الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}، على أقوال (٤):
أحدها: يعني بقوله: {الْخَيْطُ الأبْيَضُ}، ضوءَ النهار، وبقوله:{الْخَيْطِ الأسْوَدِ} سوادَ الليل. وهذا قول الجمهور (٥).
قال الحافظ ابن حجر:" ومعنى الآية: حتى يظهر بياض النهار من سواد الليل، وهذا البيان يحصل بطلوع الفجر الصادق، ففيه دلالة على أن ما بعد الفجر من النهار"(٦).
قال الطبري:" صفة ذلك البياض أن يكون منتشرا مستفيضا في السماء يملأ بياضه وضوءُهُ الطرق، فأما الضوء الساطع في السماء، فإن ذلك غير الذي عناه الله بقوله: " الخيط الأبيض من الخيط الأسود" (٧).
(١) تفسير الطبري: ٣/ ٥٠٨. عن الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قلت لابن عباس (٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٠٩. (٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٤٨. (٤) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٠٩ وما بعدها. (٥) وهذا قول عامة أهل العلم إذ قال به ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن: ٧٤، والزجاج في معاني القرآن: ١/ ٢٥٧، والطبري في جامع البيان: ٣/ ٥١٣، والسمرقندي في بحر العلوم: ١/ ١٨٦، وابن عطية في المحرر الوجيز: ٢/ ٩١ وقال: (والمراد فيما قال جميع العلماء بياض النهار وسواد الليل)، والجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٣١٦ - ٣١٧، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ٩٤، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ١٩٣، وابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٧٥، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٣٣٩، وأبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ٥١، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١٠٣، وغيرهم. ونسب الطبري في جامع البيان: ٣/ ٥١٧ إلى آخرين أن المراد بالخيط الأبيض ضوء الشمس وأورد آثاراً عن حذيفة وعلي وابن مسعود والأعمش وأبي بكر بن عياش يمكن أن يفهم منها ذلك. وعزاه الرازي في مفاتيح الغيب: ٥/ ١١٩ للأعمش، وقال بعد ذكره مع بعض الأقوال الضعيفة: (وهذه المذاهب انقرضت، والفقهاء أجمعوا على بطلانها). كما عزاه الألوسي في روح المعاني: ٢/ ٦٧، للأعمش والإمامية قائلاً: (وخالف في ذلك الأعمش ولا يتبعه إلا الأعمى فزعم أن أوله طلوع الشمس كالنهار العرفي وجوز فعل المحظورات بعد طلوع الفجر وكذا الإمامية ... ). وقد تعقب ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٧٦ هذا القول فقال: (وحكى أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسيره عن بعضهم أنه إنما يجب الإمساك من طلوع الشمس كما يجوز الإفطار بغروبها، قلت: وهذا القول ما أظن أحداً من أهل العلم يستقر له قدم عليه لمخالفته نص القرآن في قوله {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}، وقد ورد في الصحيحين من حديث القاسم عن عائشة (البخاري-فتح-: ٢/ ١٢٣ رقم: ٦٢٢ و: ٤/ ١٦٢ رقم: ١٩١٨ - ١٩١٩، مسلم: ٢/ ٧٦٨ رقم: ١٠٩٢) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {لا يمنعكم أذان بلال عن سحوركم فإنه ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر} لفظ البخاري .... ). وقد قال ابن عبد البر في التمهيد: ١٠/ ٦٢: (والنهار الذي يجب صيامه: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، على هذا إجماع علماء المسلمين). واعلم بأنه قد خالف بعض أهل اللغة في بداية النهار فقال النضر بن شميل: أول النهار طلوع الشمس واستشهد ببعض الأشعار، انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١٩٣، البحر المحيط لأبي حيان: ١/ ٤٥٤ - ٤٥٥. وقد أورد بعض ذلك ابن عبد البر في التمهيد: ١٠/ ٦٢ وفسر تلك الأشعار بأنها على القرب لا الحقيقة ثم قال: (وليست الأشعار واللغات مما يثبت بها شريعة ولا دين). وانظر: في أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس المجمل لابن فارس: ٣/ ٨٤٥ معجم مقاييس اللغة له أيضاً: ٥/ ٣٦٢، لسان العرب لابن منظور: ٦/ ٤٥٥٧، تهذيب اللغة للأزهري: ٦/ ٢٦٧ (٦) الفتح: ٤/ ١٦٠. (٧) تفسير الطبري: ٣/ ٥١٣ - ٥١٤.