للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال القرطبي: " وهذا القول استند على أخبار ضعيفة، منها:

- قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تَقُولُوا: رَمَضَانُ؛ فإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ منْ أسماءِ اللَّهِ _ تعالى _، ولكنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ" (١).

- وفي خبر آخر عَنِ - وعن ابنِ عُمَرَ؛ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ: " لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: صُمْتُ رَمَضَانَ، وقُمْتُ رَمَضَانَ، ولا صَنَعْتُ في رَمَضَانَ كَذَا وَكَذَا؛ فإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أسماءِ اللَّهِ العِظَامِ، ولكنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ، كَمَا قَالَ رَبُّكُمْ في كتابِهِ" (٢).

الثاني: وقيل: يجوز أن يقال (رمضان) دون الإضافة. وهذا قول الجمهور.

والصحيح جواز إطلاق رمضان من غير إضافة كما ثبت في الصحاح وغيرها، روي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا كان أوّلُ ليلة من رمضان: صُفِّدت (٣) الشياطين ومردة الجن (٤)، وغُلِّقت


(١) حديث ضعيف، أَخْرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ في " الكاملِ " (٧/ ٥٣) _ وَمِنْ طَرِيقِهِ: البيهقيُّ في " السُّننِ الكُبرى " (٤/ ٢٠١ _ رقم: ٧٦٩٣)، وابنُ الجوزيِّ في " الموضوعاتِ " (٢/ ١٨٧) _ قالَ: حدَّثنا عليُّ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي معشرٍ، حدَّثني أبي، عنْ سعيدٍ المَقْبُريِّ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ؛ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ: " لا تَقُولُوا: رَمَضَانُ؛ فإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ منْ أسماءِ اللَّهِ _ تعالى _، ولكنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ ".
قَالَ الإمامُ النَّوويُّ _ رحمهُ اللَّهُ _ في " الأَذْكَارِ " (ص: ٨٨٩): " وَهَذَا الحَدِيثُ ضَعِيفٌ، ضَعَّفَهُ البيهقيُّ، والضَّعفُ عَلَيْهِ ظَاهرٌ، ولَمْ يذكرْ أحدٌ رَمَضَانَ في أسماءِ اللَّهِ _ تعالى _، مَعَ كثرةِ منْ صَنَّفَ فِيهَا ".
وقالَ القرطبيُّ في " تفسيرِهِ " (٢/ ٢٩٢): " وهذا ليسَ بصحيحٍ؛ فإنَّهُ منْ حديثِ أبي معشرٍ نجيحٍ، وهو ضعيفٌ ".
وقالَ ابنُ الجوزيِّ: " هذا حديثٌ موضوعٌ لا أَصْلَ لَهُ، ... ، ولَمْ يذكرْ أَحَدٌ في أسماءِ اللَّهِ _ تعالى _ رَمَضَانَ، ولا يجوزُ أنْ يُسمَّى بهِ إجْمَاعاً ".
أقولُ: بَلْ هُوَ ضَعِيفٌ، وَلا يَصِلُ إِلى دَرَجَةِ الوَضْعِ؛ فَأَبُو معشرٍ هُوَ: نجيحُ بنُ عَبْدِ الرَّحمنِ السِّنْدِيُّ المدنيُّ _ إِمَامُ المغَازِي والسِّيرِ _، وَهُوَ ضعيفٌ، كَانَ قَدْ تغيَّرَ قَبْلَ مَوْتِهِ تغيُّراً شَدِيداً؛ لِذَا كَانَ يَضْطَرِبُ في حَدِيثِهِ، وَلا يُقِيمُ الإِسْنَادَ، وَهَذَا الحَدِيثُ ممَّا اضْطَرَبَ في إِسْنَادِهِ:
فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابنُ أبي حَاتمٍ في " التَّفسيرِ " (رقم: ١٦٧٣) فقالَ: حدَّثنا أبي، حدَّثنا محمَّدُ بنُ بكَّارِ بنِ الرَّيَّانِ، حدَّثنا أبو معشرٍ، عنْ محمَّدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، وسعيدٍ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: لا تَقُولُوا: رَمَضَانُ؛ فإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ منْ أَسْمَاءِ اللَّهِ _ تعالى _، وَلَكِنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضَانَ.
أقولُ: كَذَا وَقَفَهُ عَلَى أبي هُريرةَ ولَمْ يَرْفَعْهُ، وَقَرَنَ معَ سعيدٍ المَقْبُريِّ محمَّداً القُرظيَّ، وضعَّفَ إسنادَهُ السُّيوطيُّ في " الشَّماريخِ في علمِ التَّأريخِ " (ص: ٤٠)، وقدْ أخرجهُ البيهقيُّ في " السُّننِ الكُبرى " (٤/ ٢٠٢ _ رقم: ٧٦٩٤) من طريقِ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ العزيزِ البغويِّ، عنْ محمَّدِ بنِ بكَّارِ بنِ الرَّيَّانِ، عنْ أبي معشرٍ، عنْ محمَّدِ بنِ كعبٍ؛ قالَ: ... ، فَذَكَرَ نحوهُ، فَوَقَفَهُ عَلَى محمَّدٍ القُرظيِّ، قالَ البيهقيُّ: " وهو أَشْبَهُ "، أَيْ: بالصَّوابِ، أمَّا أبو حَاتمٍ _ كما في " العِلَلِ " (١/ ٢٤٩ _ رقم: ٧٣٤) _ فقدْ رَجَّحَ أنَّهُ منْ قولِ أبي هُرَيْرةَ كَمَا في الرِّوايةِ السَّابقةِ.
(٢) حديث منكر. أخْرَجَهُ تمَّامٌ في " فوائدِهِ " (رقم: ٢٢٩) منْ طَرِيقِ سليمانَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، حدَّثنا ناشبُ بنُ عمرٍو أبو عمرٍو الشَّيبانيُّ، حدَّثنا مقاتلُ بنُ حيَّانَ، عنِ الضَّحَّاكِ بنِ مُزَاحمٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ.
(٣) صُفِّدت الشياطين ومردة الجنِّ: أي شُدَّت، وأُوثقت بالأغلال، والصَّفَد: بفتحتين، والصِّفاد – بالكسر -: ما يوثق به الأسير: من قِدٍّ، وقيدٍ وغلٍ، والأصفاد: القيود، واحدها صفد. قال الله تعالى: {مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَاد} أي مشدودين بعضهم ببعضٍ في القيود والأغلال، وكل من شدّدته شداً وثيقاً فقد صفدته. [انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، ٣/ ٥٣، ومختار الصحاح للرازي، ص ١٥٣، وتفسير البغوي، ٣/ ٤٢].
(٤) صفدت الشياطين ومردة الجن: فإن قيل: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيراً، فلو صفِّدت الشياطين لم يقع ذلك؟ فالجواب أنها: إنما تغلُّ عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم كما تقدم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس؛ فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية؛ لأن لذلك أسباباً غير الشياطين: كالنفوس الخبيثة، والعادات القبيحة، والشياطين الإنسية. [المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم، للقرطبي، ٣/ ١٣٦، وشرح النووي على صحيح مسلم، ٧/ ١٤٩، وفتح الباري لابن حجر، ٤/ ١١٤].

<<  <  ج: ص:  >  >>