للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال الشيخ ابن باز في فدية الإطعام عن الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، والمريض الذي لا يُرجى برؤه، الذين لا يُطيقون الصيام: قال رحمه الله: "يدفع الطعام للفقراء والمساكين، ويجوز دفعه كله إلى مسكين واحد ... " (١)، وقال رحمه الله في موضع آخر: "وهذه الكفارة يجوز دفعها لواحد أو أكثر في أول الشهر، أو وسطه، أو آخره ... " (٢). والله تعالى أعلم (٣).

وأما صوم المسن، فقد اتفق العلماء على عدم وجوب الصيام على المسن الذي لا يستطيعه، أو يشق عليه مشقة شديدة تجهده أو يتضرر منها بالهلاك أو فوات عضو من الأعضاء، أو بالمرض (٤).

وقد نقل الإجماع على ذلك عدد من العلماء، ومنهم:

- ابن المنذر -رحمه الله تعالى- فقال: "وأجمعوا على أن للشيخ الكبير والعجوز العاجزين عن الصوم أن يفطروا" (٥).

- ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- فقال: "أجمع العلماء على أن للشيخ الكبير والعجوز اللذين لا يطيقان الصوم الإفطار، ثم اختلفوا في الواجب عليهما" (٦).

- ابن رشد -رحمه الله تعالى- فقال: "وأما الشيخ الكبير والعجوز اللذان لا يقدران على الصيام فإنهم أجمعوا على أن لهما أن يفطرا (٧).

استدل أهل العلم على جواز الفطر للمسن الذي لا يستطيع الصيام أو يشق عليه مشقة شديدة بأدلة من الكتاب (٨) والأثر (٩) والإجماع (١٠) والمعقول.


(١) مجموع فتاوى ابن باز، ١٥/ ٢٠٥.
(٢) المرجع السابق، ١٥/ ٢٠٤.
(٣) انظر: الأعذار المبيحة للفطر في: المغني والشرح الكبير والإنصاف، ٧/ ٣٦٤ - ٣٨٥، والكافي لابن قدامة، ٢/ ٢٢٢ - ٢٢٧، وشرح العمدة، لابن تيمية، ١/ ٢٠٥ - ٢٦٦، والمغني لابن قدامة، ٤/ ٢٩٣ - ٤٠٨، وكتاب الفروع لابن مفلح، ٤/ ٤٣٥ – ٤٥٠، والروض المربع تحقيق الطيار وجماعة، ٤/ ٢٨٩ - ٢٩٦، والروض المربع مع حاشية ابن قاسم، ٣/ ٣٧٢ - ٣٨٤، ومجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٥/ ٢٠٧ - ٢١٨، ومجموع فتاوى اللجنة الدائمة، ١٠/ ١٤٩ - ٢٤٦، ونيل الأوطار للشوكاني، ٣/ ١٥٩ - ١٧٤، ومجموع فتاوى الصيام، جمع عبد المقصود، ١/ ٢٣١ - ٣٧٥، ومجموع فتاوى ابن باز، ١٥/ ١٨١ - ٢٤٧، ومجالس شهر رمضان لابن عثيمين، ص ٧٥ - ٩٥، والشرح الممتع لابن عثيمين، ٦/ ٣٤٧ - ٣٦٥، وجامع الأصول لابن الأثير، ٦/ ٣٩٣ - ٤١٤.
(٤) انظر: المبسوط: ٣/ ١٠٠، والاختيار لتعليل المختار ١/ ١٣٥، وفتح القدير: ٢/ ٣٥٠، والمدونة الكبرى: ١/ ٢١٠، وبداية المجتهد ١/ ٣٤٤، وعقد الجواهر الثمينة: ١/ ٣٦٧، والحاوي الكبير: ٣/ ٣٣٢، والمجموع: ٦/ ٢٥٨، والبيان: ٣/ ٤٦٦، والمغني: ٤/ ٣٩٥، والمحرر: ١/ ٢٢٨، وكشاف القناع ٢/ ٣٠٩.
(٥) الإجماع ص / ٤٧.
(٦) الاستذكار ١٠/ ٢١٣.
(٧) بداية المجتهد ١/ ٣٥١.
(٨) من الأدلة في الكتاب:
١ - ... قول الله سبحانه وتعالى: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ... } [البقرة: ٢٨٦].
٢ - ... وقوله تعالى: { ... وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ... } [الحج: ٧٨].
٣ - ... وقوله تعالى: { ... يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ... } [البقرة: ١٨٥].
وجه الاستدلال أن هذه الآيات الكريمات تضمنت أن الله –تعالى- لا يكلف أحداً الإتيان بما لا يستطيع من أنواع العبادات، وأن الحرج مرفوع في الدين، وأن الله يريد بالمكلفين اليسر ولا يريد بهم العسر، فإذا كان المسن لا يستطيع الصيام، أو يشق عليه مشقة شديدة، فإنه لا يلزمه الصوم ولا يجب عليه بدلالة هذه الآيات الكريمات، وغيرها من نصوص الكتاب والسنة التي تشابهها. (انظر: الاستدلال بها في: الاستذكار ١٠/ ٢١٧، وكشاف القناع ٢/ ٣٠٩).
٤ - { .. فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ.} [البقرة: ١٨٤].
استدل العلماء بالآية الكريمة على عدم وجوب الصيام على المسن حسب تفسيرات مختلفة في معنى الآية، ولهم ثلاثة أوجه:
الأول: أن المقصود بالآية الكريمة الذين لا يطيقون الصوم، أي لا يستطيعون الصوم فلهم الإفطار وعليهم فدية طعام مسكين على تقدير حرف «لا» وقد جاءت نظائر لمثل هذا التقدير في الكتاب الكريم كما في قوله تعالى: { ... يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النساء: ١٧٦] أي لئلا تضلوا، وكقوله تعالى:
{وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ ... } [الأنبياء: ٣١]، أي لئلا تميد بهم. (انظر: المبسوط ٣/ ١٠٠، وفتح القدير ٢/ ٣٥٦، ٣٥٧).
الثاني: أن الآية الكريمة على ظاهرها محكمة وليست بمنسوخة ولكنها خاصة بطائفة من الناس، فهي في حق الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيفطران ويطعمان عن كل يوم مسكيناً [انظر: فتح الباري ٨/ ٢٨، ٢٩].
قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها: "ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً" (خرجه البخاري في صحيحه كتاب التفسير، باب «أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً .. » ص ٨٥٢ برقم ٤٥٠٥).
الثالث: أن الآية الكريمة تدل على جواز الفطر لمن يستطيع الصوم مع المشقة؛ لأن الطاقة هي أن يقدر الإنسان على الشيء مع الشدة والمشقة، فمن كان يقدر على الصوم مع المشقة الشديدة يجوز له الفطر. (انظر: الاستذكار ١٠/ ٨، وتفسير روح المعاني للألوسي ٢/ ٥٩).
(٩) أما الآثار:
ما رواه الحسن البصري وإبراهيم النخعي -رحمهما الله تعالى- أن أنس بن مالك – رضي الله عنه - لما كبر أطعم عن كل يوم مسكيناً خبزاً ولحماً وأفطر، عاماً أو عامين". (أخرجه البخاري معلقاً في كتاب التفسير باب «أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر ... » قبل حديث رقم ٤٥٠٥ وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٣/ ٧٢ برقم ١٢٢١٧. قال ابن عبد البر -رحمه الله تعالى-: «الخبر بذلك عن أنس صحيح متصل رواه حماد بن زيد، وحماد بن مسلمة، ومعمر بن راشد عن ثابت البناني» الاستذكار ١٠/ ٢١٢، وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى-: «وروى عبد بن حميد من طريق النضر بن أنس عن أنس أنه أفطر في رمضان وكان قد كبر، فأطعم مسكيناً كل يوم، ورويناه في فوائد محمد بن هشام ابن ملاس عن مروان عن معاوية عن حميد قال: ضعف أنس عن الصوم عام توفي فسألت ابنه عمر بن أنس: أطاق الصوم؟ قال: لا، فلما عرف أنه لا يطيق القضاء أمر بجفان من خبز ولحم فأطعم العدة أو أكثر». فتح الباري ٨/ ٢٨).
٦ - ... ما ثبت من قول ابن عباس -رضي الله عنهما- في تفسير الآية {وعلى الذين يطيقونه}.
فقال: "هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً" ([البخاري، كتاب التفسير، باب "أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ ... " الآية، برقم ٤٥٠٥).
وجه الاستدلال: أن أنساً وابن عباس رضي الله عنهم يريان جواز الفطر للمسن (فتح الباري ٨/ ٢٩).
(١٠) وقد نقل الإجماع على جواز الفطر للمسن الذي لا يستطيع الصوم أو يشق عليه ذلك مشقة شديدة غير واحد من العلماء، ومنهم ابن عبد البر (الاستذكار ١٠/ ٢١٣)، وابن حزم (مراتب الإجماع ص /٤٠)، وابن رشد (بداية المجتهد ١/ ٣٥١)، وابن المنذر (الإجماع ص/٤٧).
٨ - أن كبير السن الذي لا يستطيع الصوم أو يشق عليه ذلك لا سبيل له إلا الفطر لرفع الحرج والمشقة عنه (البحر الرائق ٢/ ٥٠١).

<<  <  ج: ص:  >  >>