للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

واتفق علماء المذاهب الأربعة أن الصائم يفطر إذا زاد مرضه بالصيام وتأخر شفاؤه، وتعرض لمشقة شديدة أو خطر على حياته (١).

النوع الثاني من المرض: المريض العاجز عن الصيام عجزاً مستمراً لا يُرجى زواله، كالكبير الهرم، والمريض الذي لا يُرجى برؤه، وذلك بإخبار الطبيب المسلم الثقة الحاذق، فحينئذٍ لا يجب على هذا العاجز الصيام؛ لأنه لا يستطيعه؛ لقول الله تعالى: {فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: ١٦]، ولقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: ٢٨٦]، قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: "وأجمعوا على أن للشيخ الكبير والعجوز العاجِزَيْن عن الصوم أن يفطرا" (٢)، لكن يجب عليه أن يطعم بدل الصيام عن كل يوم مسكيناً؛ لأن الله تعالى جعل الإطعام معادلاً للصيام حين كان التخيير بينهما أوَّل ما فرض الصيام، فتعيَّن أن يكون بدلاً من الصيام عند العجز عنه؛ لأنه معادل له (٣).

قال ابن عباس رضي الله عنهما: " ... الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً" (٤)، وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس بن مالك بعدما كبر، عاماً أو عامين، كلَّ يومٍ مسكيناً: خبزاً ولحمًا، وأفطر" (٥).

ويُخيَّر العاجز عن الصيام، لكبرٍ، أو مرضٍ لا يُرجى برؤه في صفة الإطعام بين أمرين:

الأمر الأول: يفرِّق طعاماً على المساكين، لكل مسكين نصف صاعٍ على الصحيح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لكعب بن عجرة: " ... أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع" (٦)، والصاع النبوي أربع حفنات بكَفَّيْ الرجل المعتدل، وهو يزن تقريباً ثلاثة كيلو، أما نصف الصاع فيزن كيلو ونصف كيلو تقريباً، وهو اختيار الشيخ ابن باز رحمه الله، إذ قال: "عن كل يومٍ نصف صاعٍ من قوت البلد: من تمرٍ، أو أرزٍ، أو غيرهما، ومقداره بالوزن كيلو ونصف على سبيل التقريب" (٧)، وهو اختيار اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء حيث قالوا: " ... وهو نصف صاعٍ عن كل يومٍ من قوت البلد، وهو كيلو ونصف تقريباً" (٨).

الأمر الثاني: يجوز أن يُصلحَ طعاماً، ويدعوَ إليه من المساكين بقدر الأيام التي عليه؛ لأن أنس بن مالك - رضي الله عنه - "أطعم بعد ما كبر عاماً أو عامين كل يوم مسكيناً: خبزاً ولحماً وأفطر" (٩). قال ابن باز رحمه الله: "إذا كان الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة يشق عليهما الصوم فلهما الإفطار ويطعمان عن يوم مسكيناً: إما بتشريكه معهما في الطعام، أو دفع نصف صاع من التمر، أو الحنطة، أو الأرز للمسكين كل يوم ... " (١٠).


(١) انظر: كتاب الفقه على المذاهب الأربعة، قسم العبادات، وزارة الأوقاف، قسم المساجد، القاهرة: مطبعة دار الكتب المصرية، الطبعة الرابعة، ١٣٥٠ هـ، ١٩٣٩ مـ، ص ٤٥٦.
(٢) الإجماع لابن المنذر، ص ٦٠.
(٣) مجالس شهر رمضان، لابن عثيمين، ص ٧٦، وانظر: مجموع فتاوى ابن باز، ١٥/ ٢١٨ - ٢٢٢.
(٤) البخاري، كتاب التفسير، باب قول الله تعالى: {أياماً معدودات ... } الآية، برقم ٤٥٠٥.
(٥) البخاري، كتاب التفسير، باب قول الله تعالى: {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون} [البقرة: ١٨٤] في ترجمة الباب قبل الحديث رقم ٤٥٠٥.
(٦) متفق عليه من حديث كعب بن عجرة - رضي الله عنه -: البخاري، كتاب المحصر، باب الإطعام في الفدية نصف صاع، برقم ١٨١٦، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى، برقم ٨٤ – (١٢٠١).
(٧) مجموع فتاوى ابن باز، ١٥/ ٢٠٣، ١٥/ ٢٠١ - ٢٠٥.
(٨) مجموع فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، ١٠/ ١٧٨، و ١٠/ ١٧٤ – ١٨٩. [وأعضاء اللجنة هم: عبد الله بن قعود، عبد الله بن غديان، عبد الرزاق عفيفي، عبد العزيز بن عبد الله ابن باز رئيس اللجنة.
(٩) البخاري، كتاب التفسير، باب قول الله تعالى: {أياماً معدودات ... } قبل الحديث رقم ٤٥٠٥، وتقدم.
(١٠) مجمع فتاوى ابن باز، ١٥/ ٢٠٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>