٨ - ومنها: أن المتهيئ للسفر كالخارج فيه - وإن كان في بلده؛ فإنه يجوز أن يفطر؛ وكان أنس بن مالك يفعل ذلك، ويقول:«السنة»(١)؛ لكن هذا الحديث فيه مقال؛ على ذلك.
٩ - ومن فوائد الآية: أن الظاهرية استدلوا بها على أن من صام في السفر لم يجزئه؛ لقوله تعالى:{فعدة من أيام أخر}، فأوجب الله سبحانه وتعالى على المريض، والمسافر عدة من أيام أخر؛ فمن صام وهو مريض، أو مسافر صار كمن صام قبل دخول رمضان، وقالوا:«إن الآية ليست فيها شيء محذوف»؛ وهذا القول لولا أن السنة بينت جواز الصوم لكان له وجه قوي؛ لأن الأصل عدم الحذف؛ لكن أجاب الجمهور عن هذا بأن الحذف متعين، وتقدير الكلام: فمن كان مريضاً، أو على سفر فأفطر فعليه عدة من أيام أخر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صام في رمضان في السفر والصحابة معه منهم الصائم، ومنهم المفطر، ولم يعب أحد على أحد (٢)؛ ولو كان الصوم حراماً ما صامه النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنكر المفطر على الصائم.
١٠ - ومن فوائد الآية: أنه لو صام عن أيام الصيف أيام الشتاء فإنه يجزئ؛ لقوله تعالى:{فعدة من أيام أخر وجهه: أن {أيام} نكرة.
١١ - ومنها: حكمة الله سبحانه وتعالى في التدرج بالتشريع، حيث كان الصيام أول الأمر يخير فيه الإنسان بين أن يصوم، ويطعم؛ ثم تعين الصيام كما يدل على ذلك حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.
١٢ - ومنها: أن من عجز عن الصيام عجزاً لا يرجى زواله فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً؛ ووجه الدلالة أن الله سبحانه وتعالى جعل الإطعام عديلاً للصيام حين التخيير بينهما؛ فإذا تعذر الصيام وجب عديله؛ ولهذا ذكر ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية في الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يطيقان الصيام، فيطعمان عن كل يوم مسكيناً (٣).
١٣ - ومنها: أنه يرجع في الإطعام في كيفيته ونوعه إلى العرف؛ لأن الله تعالى أطلق ذلك؛ والحكم المطلق إذا لم يكن له حقيقة شرعية يرجع فيه إلى العرف.
١٤ - ومنها: أنه لا فرق بين أن يملّك الفقير ما يطعمه، أو يجعله غداءً، أو عشاءً؛ لأن الكل إطعام؛ وكان أنس بن مالك حين كبر يطعم أدُماً، وخبزاً (٤).
١٥ - ومنها: أن ظاهر الآية لا يشترط تمليك الفقير ما يطعم؛ وهو القول الراجح؛ وقال بعض أهل العلم: إنه يشترط تمليكه؛ فيعطى مداً من البر؛ أو نصف صاع من غيره؛ وقيل: يعطى نصف صاع من البر، وغيره؛ واستدل القائلون بالفرق بين البر وغيره بما قاله معاوية في زكاة الفطر:«أرى المد من هذه - يعني البر - يعدل مدين من الشعير»(٥) فعدل به الناس، وجعلوا الفطرة من البر نصف صاع (٦)؛ واستدل القائلون بوجوب نصف صاع من البر، وغيره بحديث كعب بن عجرة رضي الله عنه حين أذن له النبي صلى الله عليه وسلم
(١) أخرجه الترمذي ص ١٧٢٦، كتاب الصوم، باب ٧٦: ما جاء فيمن أكل ثم خرج يريد سفراً، حديث رقم ٧٩٩، ٨٠٠، وفي الحديث الأول عبد الله بن جعفر بن نجيح المديني البصري؛ قال الحافظ في التقريب: "ضعيف"؛ لكن تابعه محمد بن جعفر بن أبي كثير في الحديث الثاني؛ قال الترمذي: "وهو مديني ثقة" (جامع الترمذي ص ١٧٢٦، كتاب الصوم، باب ٧٦: ما جاء فيمن أكل ... ، حديث رقم ٨٠٠)؛ وفي الحديثين زيد بن أسلم؛ قال الحافظ في التقريب: "ثقة عالم كان يرسل"، ولكنه صرح بالتحديث في حديث رقم ٨٠٠؛ وقال الألباني في صحيح الترمذي في حديث رقم ٧٩٩: "صحيح" (١/ ٢٤٠، حديث رقم ٦٤١ – ٨٠٣)؛ وذكر الحديث الثاني في صحيح الترمذي، ولم يعلق عليه (المرجع السابق، حديث رقم ٦٤٢ – ٨٠٤)؛ وقال عبد القادر الأرناؤوط: "إسناده حسن" (جامع الأصول ٦/ ٤١٢، حاشية رقم ١). (٢) راجع مسلماً ص ٨٥٦، كتاب الصيام، باب ١٥: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر ... ، حديث رقم ٢٦١٨ [٩٦] ١١١٦. (٣) أخرجه البخاري ص ٣٦٩، كتاب التفسير، باب ٢٤: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ... )، حديث رقم ٤٥٠٥. (٤) ذكره البخاري معلقاً بصيغة الجزم ص ٣٦٩، كتاب التفسير، باب ٢٦: قوله تعالى: (أياماً معدودات فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ... ). (٥) راجع البخاري ص ١١٩، كتاب الزكاة، باب ٧٥: صاع من زبيب، حديث رقم ١٥٠٨؛ ومسلماً ص ٨٣٣، كتاب الزكاة، باب ٤: زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير، حديث رقم ٢٢٨٥ [١٩] ٩٨٥، واللفظ للبخاري. (٦) راجع البخاري ص ١١٩، كتاب الزكاة، باب ٧٤: صدقة الفطر صاعاً من تمر، حديث رقم ١٥٠٧.