والقول الثاني داخل في القول الأول، لأن تناول المفطرات وقت الصوم من جملة المعاصي والمنهيات، فالأول أولى وأظهر لعدم التقييد في قوله-عز وجل-: {تَتَّقُون}، والله أعلم.
قال الحافظ ابن حجر: " وفي قوله: {لَعَلَّكُم تَتَّقُون}، إشارة إلى أن من قبلنا كان فرض الصوم عليهم من قبيل الآصار والأثقال التي كلفوا بها (١)، وأما هذه الأمة فتكليفها بالصوم ليكون سبباً لاتقاء المعاصي وحائلاً بينهم وبينها، فعلى هذا المفعول المحذوف يقدر بالمعاصي أو بالمنهيات (٢).
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: أهمية الصيام؛ لأن الله تعالى صدره بالنداء؛ وأنه من مقتضيات الإيمان؛ لأنه وجه الخطاب إلى المؤمنين؛ وأنّ تركه مخل بالإيمان.
٢ - ومنها: فرضية الصيام؛ لقوله تعالى: {كتب}.
٣ - ومنها: فرض الصيام على من قبلنا من الأمم؛ لقوله تعالى: {كما كتب على الذين من قبلكم}.
٤ - ومنها: تسلية الإنسان بما ألزم به غيره ليهون عليه القيام به؛ لقوله تعالى: {كما كتب على الذين من قبلكم
٥ - ومنها: استكمال هذه الأمة لفضائل من سبقها، حيث كتب الله عليها ما كتب على من قبلها لتترقى إلى درجة الكمال كما ترقى إليها من سبقها.
٦ - ومنها: الحكمة في إيجاب الصيام؛ وهي تقوى الله؛ لقوله تعالى: {لعلكم تتقون}.
٧ - ومنها: فضل التقوى، وأنه ينبغي سلوك الأسباب الموصلة إليها؛ لأن الله أوجب الصيام لهذه الغاية؛ إذاً هذه الغاية غاية عظيمة؛ ويدل على عظمها أنها وصية الله للأولين، والآخرين؛ لقوله تعالى: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} [النساء: ١٣١].
ويتفرع على هذه الفائدة اعتبار الذرائع؛ يعني ما كان ذريعة إلى الشيء فإن له حكم ذلك الشيء؛ فلما كانت التقوى واجبة كانت وسائلها واجبة؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يبتعد عن مواطن الفتن: لا ينظر إلى المرأة الأجنبية؛ ولا يكلمها كلاماً يتمتع به معها؛ لأنه يؤدي إلى الفتنة، ويكون ذريعة إلى الفاحشة؛ فيجب اتقاء ذلك؛ حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر من سمع بالدجال أن يبتعد عنه حتى لا يقع في فتنته (٣).
٨ - ومن فوائد الآية: حكمة الله سبحانه وتعالى بتنويع العبادات؛ لأننا إذا تدبرنا العبادات وجدنا أن العبادات متنوعة؛ منها ما هو مالي محض؛ ومنها ما هو بدني محض؛ ومنها ما هو مركب منهما: بدني، ومالي؛ ومنها ما هو كفّ - ليتم اختبار المكلف؛ لأن من الناس من يهون عليه العمل البدني دون بذل المال؛ ومنهم من يكون بالعكس؛ ومن الناس من يهون عليه بذل المحبوب؛ ويشق عليه الكف عن المحبوب ومنهم من يكون بالعكس؛ فمن ثَم نوَّع الله سبحانه وتعالى بحكمته العبادات؛ فالصوم كف عن المحبوب قد يكون عند بعض الناس أشق من بذل المحبوب؛ ومن العجائب في زمننا هذا أن من الناس من يصبر على الصيام، ويعظمه؛ ولكن لا يصبر على الصلاة، ولا يكون في قلبه من تعظيم الصلاة ما في قلبه من تعظيم الصيام؛ تجده يصوم رمضان لكن الصلاة لا يصلي إلا من رمضان إلى رمضان - إن صلى في رمضان؛ وهذا لا شك خطأ في التفكير؛
(١) انظر: جامع البيان للطبري: ١٣/ ١٦٨، المحرر الوجيز لابن عطية: ٧/ ١٨٠ - ١٨١، مفاتيحِ الغيب للرازي: ١٥/ ٢٧ - ٢٨، البحر المحيط لأبي حيان: ٤/ ٤٠٤ عند قوله-عز وجل-: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ} [الأعراف: ١٥٧]-إلى قوله- {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: ١٥٧]. وفي هذا القول من الحافظ ومن قال بذلك نظر ظاهر؛ إذ ليس في الآية ما يشير إلى ذلك، بل إن آية الأعراف تفيد أن فرض الصيامِ على الأم الماضية ليس من الإصر والأثقال التي كلفوا بها وإلا لما كلفت به هذه الأمة لأن الله يقول: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: ١٥٧].
(٢) الفتح: ٨/ ٢٧.
(٣) راجع أحمد ص ١٤٥٧، حديث رقم ٢٠١١٦؛ وأبا داود ص ١٥٣٧، كتاب الملاحم، باب ١٤: خروج الدجال، حديث رقم ٤٣١٩؛ ومستدرك الحاكم ٤/ ٥٣١، كتاب الفتن والملاحم، وقال الحاكم: "حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي (المرجع نفسه)؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود: "صحيح" (٣/ ٣٠، حديث رقم ٤٣١٩).