للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الزمخشري: أي: " بالمحافظة عليها وتعظيمها لأصالتها وقدمها" (١).

قال ابن كثير في تفسيره: "لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان" (٢).

قال ابن عثيمين: "فيها بيان الحكمة من فرض الصوم؛ أي تتقون الله عز وجل؛ هذه هي الحكمة الشرعية التعبدية للصوم؛ وما جاء سوى ذلك من مصالح بدنية، أو مصالح اجتماعية، فإنها تبع" (٣).

قال الزجاج: " و {لعل} ههنا على ترجي العباد، والله عز وجل من وراء العلم أتتقون أم لا. ولكن المعنى أنه ينبغي لكم بالصوم أن يقوى رجاؤكم في التقوى" (٤).

وفي قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: ١٨٣]، ثلاثة أوجه من التفسير (٥):

أحدها: معناه أن الصوم سبب يؤول بصاحبه إلى تقوى الله، لما فيه من قه النفس، وكسر الشهوة، وإذهاب الأشر، وهو معنى قول الزجاج (٦).

والثاني: لعلكم تتقون ما حرم عليكم في الصيام، من أكل الطعام، وشرب الشراب، ووطء النساء، وهو قول أبي جعفر الطبري (٧).

قال القرطبي: "فإنه كلما قل الأكل ضعفت الشهوة، وكلما ضعفت، الشهوة قلت المعاصي وهذا وجه مجازي حسن" (٨).

والثالث: وقيل: "هو على العموم، لأن الصيام كما قال عليه السلام: "الصيام جنة" (٩)، و"وجاء" (١٠)، وسبب تقوى، لأنه يميت الشهوات" (١١).


(١) الكشاف: ١/ ٢٢٥.
(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٧.
(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣١٧.
(٤) معاني القرآن: ١/ ٢٥٢.
(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٣٣٦ - ٣٣٧، تفسير القرطبي: ٢/ ٢٧٥.
(٦) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٥٢.
(٧) تفسير الطبري: ٣/ ٤١٣.
(٨) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٧٥
(٩) أخرجه البخاري (١٧٩٥): ص ٢/ ٦٧٠، ومسلم (١١٥١): ص ٢/ ٨٠٦، وأحمد (٧٤٤١): ص ٢/ ٥٢٧.
(١٠) جاء هذا اللفظ في حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: " .... فعليه بالصوم، فإنه له وجاء". أخرجه البخاري (١٨٠٦): ص ٢/ ٦٧٤، ومسلم (١٤٠٠): ص ٢/ ١٩١٨، وأحمد (٤١٣): ص ١/ ٥٨.
(١١) المحرر الوجيز: ١/ ٢٥٠، وانظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٢٧٥. وذكر الرازي في معنى قوله تعالى قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: ١٨٣]؛ وجوها [انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٤٠ - ٢٤١]:
أحدها: أنه سبحانه بين بهذا الكلام أن الصوم يورث التقوى لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع الهوى فإنه يردع عن الأشر والبطر والفواحش ويهون لذات الدنيا ورياستها، وذلك لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرج، وإنما يسعى الناس لهذين، كما قيل في المثل السائر: المرء يسعى لعارية بطنه وفرجه؛ فمن أكثر الصوم هان عليه أمر هذين وخفت عليه مؤنتهما، فكان ذلك رادعا له عن ارتكاب المحارم والفواحش، ومهونا عليه أمر الرياسة في الدنيا وذلك جامع لأسباب التقوى فيكون معنى الآية فرضت عليكم الصيام لتكونوا به من المتقين الذين أثنيت عليهم في كتابي، وأعلمت أن هذا الكتاب هدى لهم ولما اختص الصوم بهذه الخاصية حسن منه تعالى أن يقول عند إيجابها {لعلكم تتقون} منها بذلك على وجه وجوبه لأن ما يمنع النفس عن المعاصي لا بد وأن يكون واجبا.
وثانيها: المعنى ينبغي لكم بالصوم أن يقوى وجاؤكم في التقوى وهذا معنى {لعل}.
وثالثها: المعنى: لعلكم تتقون الله بصومكم وترككم للشهوات فإن الشيء كلما كانت الرغبة فيه أكثر كان الاتقاء عنه أشق والرغبة في المطعوم والمنكوح أشد من الرغبة في سائر الأشياء فإذا سهل عليكم اتقاء الله بترك المطعوم والمنكوح، كان اتقاء الله بترك سائر الأشياء أسهل وأخف.
ورابعها: المراد {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} إهمالها وترك المحافظة عليها بسبب عظم درجاتها واصالتها.
وخامسها: لعلكم تنتظمون بسبب هذه العبادة في زمرة المتقين لأن الصوم شعارهم. والله أعلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>