أحدهما: أن العمل بها كان واجباً قبل فرض المواريث لئلا يضع الرجل ماله في البُعَدَاء طلباً للسمعة والرياء، فلما نزلت آية المواريث في تعيين المستحقين، وتقدير ما يستحقون، نسخ بها وجوب الوصية ومنعت السنّة من جوازها للورثة. وهذا مذهب الجمهور من التابعين والفقهاء.
والثاني: أن حكمها كان ثابتاً في الوصية للوالدين، والأقربين حق واجب، فلما نزلت آي المواريث وفرض ميراث الأبوين نسخ بها الوصية للوالدين وكل وارث، وبقي فرض الوصية للأقربين الذين لا يرثون على حاله. وهذا قول ابن عباس (١)، والحسن (٢)، وعكرمة (٣)، وقتادة (٤)، وطاوس (٥)، وجابر بن زيد (٦)، وعلي بن أبي طلحة (٧)، والربيع (٨)، ومسلم بن يسار (٩)، وإياس بن معاوية (١٠).
ومن ثم اختلفوا في تعيين ناسخ آية:{الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالأَقرَبِين}[البقرة: ١٨٠]، وفيه ثلاثة أقوال (١١):
أحدها: أنها نسخت بآية الفرائض. قاله قتادة (١٢)، والزهري (١٣)، وابن الجوزي (١٤)، وابن البازري (١٥).
والثاني: وقيل: الحديث: "لا وصية لوارث"(١٦).
والثالث: وقيل: دلّ الإِجماع على ذلك وان لم يتعين دليله (١٧).
(١) انظر: تفسير الطبري (٢٦٤٢)، و (٢٦٤٦): ص ٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩. (٢) انظر: تفسير الطبري (٢٦٤٤)، و (٢٦٤٥): ص ٣/ ٣٨٩، و (٢٦٥٤): ص ٣/ ٣٩١. (٣) انظر: تفسير الطبري (٢٦٥٤): ص ٣/ ٣٩١. (٤) انظر: تفسير الطبري (٢٦٤١): ص ٣/ ٣٨٨، و (٢٦٥٧): ص ٣/ ٣٩١. (٥) انظر: تفسير الطبري: ٢٦٤٣): ص ٣/ ٣٨٩. (٦) انظر: تفسير الطبري (٢٦٥١): ص ٣/ ٣٩٠ - ٣٩١. (٧) انظر: تفسير الطبري (٢٦٤٧): ص ٣/ ٣٩٠. (٨) انظر: تفسير الطبري (٢٦٤٨): ص ٣/ ٣٩٠. (٩) انظر: تفسير الطبري (٢٦٤٩): ص ٣/ ٣٩٠. (١٠) انظر: تفسير الطبري (٢٦٥٠): ص ٣/ ٣٩٠. (١١) انظر: الناسخ والمنسوخ لقتادة: ٣٨ - ٣٩، والناسخ والمنسوخ للزهري: ١٧، والمصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ لابن الجوزي: ٢٥، وناسخ القرآن العزيز ومنسوخه لابن البازري: ٢٥، والناسخ والمنسوخ لابن سلامة: ٤٠ - ٤١، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي: ١٤٠ - ١٤٤. والناسخ والمنسوخ للنحاس: ١/ ٤٨١. (١٢) انظر: كتابه الناسخ والمنسوخ: ٣٨ - ٣٩. (١٣) انظر: كتابه: الناسخ والمنسوخ: ١٧. (١٤) انظر: المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ: ٢٥. (١٥) انظر: ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه: ٢٥. (١٦) انظر: الفتح: ٥/ ٤٣٩ وهو حديث رواه أحمد والأربعة، إذ أخرجه أحمد في مسنده-تحقيق شاكر والزين-: ١٤/ ٦٤ رقم: ١٨٠٠١، وأبو داود في سننه: ٣/ ٢٩٠ - ٢٩١ رقم: ٢٨٧٠، والترمذي في جامعه: ٤/ ٤٣٣ رقم: ٢١٢٠، وقال: "حسن صحيح"، والنسائي في سننه: ٦/ ٢٤٧، وابن ماجة في سننه: ٢/ ٩٠٥ رقم: ٢٧١٣. قال الشافعي-رحمه الله-في الرسالة: ١٣٩ حول هذا الحديث: "ووجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنه من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي قال عام الفتح: "لا وصية لوارث .. " ويأثرونه عن كل من حفظوا عنه ممن لقوا من أهل العلم بالمغازي فكان هذا نقل عامة عن عامة وكان أقوى في بعض الأمر من نقل واحد عن واحد وكذلك وجدنا أهل العلم عليه مجمعين"، وقال الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ١٦٥: "ووروده من الجهات التي وصفنا عندنا في حيز التواتر لاستفاضته وشهرته وتلقي الفقهاء إياه بالقبول"، وصححه الألباني في إرواء الغليل: ٦/ ٨٧ رقم: ١٦٥٥. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الحديث بتمامه يفيد أن الناسخ هو آية الفرائض لا هذا الحديث فلفظه: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث"، فالذي أعطى الحق هو الله عن طريق آية الفرائض التي لم تجعل للورثة حقاً في الوصية اكتفاء بنصيبهم الموروث، ولا نزاع في أن الله هو الذي أعطى وشرع لكن الظاهر أن الذي بيَّن التشريع والإعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، انظر: مناهل العرفان للزرقاني: ٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧. (١٧) حكى الإجماع على أنه لا وصية لوارث: الشافعي في الرسالة: ١٣٩، والأم: ٤/ ١٤٣، والزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ١/ ٢٥١، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ١٨٢، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٢٦٣، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ٢٦٣، وغيرهم، وانظر: استشكالاً حول ذلك في مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ٦٧. واعلم بأن نسخ آية الوصية بآية المواريث فيه إشكال أوضحه مكي في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه: ١٤٢ فقال: "لأن الله لما ذكر فرض الوالدين قال بعده: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ} فقد كان يجوز أن يثبت لهما الفرض المذكور من بعد ما يوصي لهما بنص القرآن فنسخ الوصية بآية المواريث فيه إشكال لاتصال قوله: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: ١١] بفرض الوالدين فالنسخ بالستة أولى إذ لا إشكال في ذلك"، وانظر: تصحيح القرطبي لذلك في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٢٦٣. كما أن نسخ آية الوصية بالحديث فيه إشكال عند من يقول بعدم جواز نسخ القرآن بغير القرآن أو بغير السنة المتواترة على اعتبار الحديث حديث آحاد، والظاهر جواز ذلك، انظر كلاماً نفيساً في المسألة للعلامة الشنقيطي في أضواء البيان: ٢/ ٢٥١ و ٣٦٧، ومذكرة في أصول الفقه له: ٨٦. وانظر أيضاً: الإيضاح لمكي: ١٤١، معالم أصول الفقه عند أهل السنة للجيزاني: ٢٧١. وقد نازع قوم من أهل العلم في كون آية الوصية منسوخة، كالطبري في جامع البيان: ٣/ ٣٨٥، والنحاس في الناسخ والمنسوخ: ١/ ٤٨٧، ومصطفى زيد في النسخ في القرآن الكريم: ٢/ ٥٩٥، والسعدي في تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: ٦٨، وذكره بعضهم عن جماعة من أهل العلم جاعلين لها من العام المخصوص بالوالدين والأقارب من غير الورثة على خلاف بينهم في وجوب الوصية أو ندبها، وقد وصف الزرقاني في مناهل العرفان: ٢/ ٢٧٦ هذا القول بأنه تكلف ومشي في غير سبيل. والحق أن الوصية في غير دين أو وديعة مندوبة، فإن كانت في صدر الإسلام كذلك فلا نسخ والآية محكمة مخصوصة، وإن كانت الوصية في صدر الإسلام قبل نزول آية الفرائض واجبة كما هو ظاهر الآية والتعبير بلفظ {كُتبَ} فالآية منسوخة، والندب إلى الوصية لغير الورثة مأخوذ من نصوص أخرى غير هذه الآية، والله أعلم. انظر: أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ٧١، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٢٦٣، تعليق د. اللاحم على الناسخ والمنسوخ للنحاس: ١/ ٤٨٦، وانظر في حكم الوصية: الاستذكار لابن عبد البر: ٧/ ٢٣، إحكام الأحكام لابن دقيق: ٤/ ٣، الإفصاح لابن هبيرة: ٢/ ٧٠، المغني لابن قدامة: ٨/ ٣٩٠، نيل الأوطار للشوكاني: ٦/ ٤٣. وأما ما حكاه الرازي في مفاتيح الغيب: ٥/ ٦٦ عن أبي مسلم الأصفهاني من أن هذه الآية غير منسوخة وإنما هي مفسرة بآية المواريث والمعنى: كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين فقول عجيب مردود، والله أعلم. انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٢٦٣.