قال الطبري: أي" ولكم، فيما فرضتُ عليكم وأوجبتُ لبعضكم على بعض، من القصاص في النفوس والجراح والشجاج، مَا مَنع به بعضكم من قتل بعض، وقَدَع بعضكم عن بعض، فحييتم بذلك، فكان لكم في حكمي بينكم بذلك حياة"(١).
قال ابن كثير: أي" وفي شَرْع القصاص لكم - وهو قتل القاتل - حكمة عظيمة لكم، وهي بقاء المُهَج وصَوْنها؛ لأنه إذا علم القاتلُ أنه يقتل انكفّ عن صنيعه، فكان في ذلك حياة النفوس، وفي الكتب المتقدمة: القتلُ أنفى للقتل، فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح، وأبلغ (٢)، وأوجز"(٣).
قال الصابوني:" وأيُّ حياة لأنه من علم أنه إِذا قتل نفساً قُتل بها يرتدع وينزجر عن القتل، فيحفظ حياته وحياة من أراد قتله وبذلك تُصان الدماء وتحفُظ حياة الناس"(٤).
قال أبو حيان:" الحياة التي في القصاص هي: أن الإنسان إذا علم أنه إذا قَتَلَ قُتِلَ، أمسك عن القتل، فكان ذلك حياة له، للذي امتنع من قتله، فمشروعية القصاص مصلحة عامة، وإبقاء القاتل والعفو عنه مصلحة خاصة به، فتقدّم المصلحة العامة لتعذر الجمع بينهما"(٥).
قال السعدي:"تنحقن بذلك [أي القصاص] الدماء، وتنقمع به الأشقياء، لأن من عرف أنه مقتول إذا قتل، لا يكاد يصدر منه القتل، وإذا رئي القاتل مقتولا انذعر بذلك غيره وانزجر، فلو كانت عقوبة القاتل غير القتل، لم يحصل انكفاف الشر، الذي يحصل بالقتل، وهكذا سائر الحدود الشرعية، فيها من النكاية والانزجار، ما يدل على حكمة الحكيم الغفار"(٦).
قال الواحدي: " إن سافكَ الدم إذا أُقيد منه ارتدع من كان يهمّ بالقتل، فكان في القصاص بقاءٌ؛ لأنه إذا علم أنه إن قَتَل قُتِلَ أَمْسَكَ وارتدع عن القتل، ففيه حياةٌ للذي همّ بقتله، وحياةٌ للهامّ أيضًا، وقد أخذ الشاعر هذا المعنى ونقله عن القصاص إلى العتاب فقال (٧):
أبلغ أبا مالك عنى مُغَلغَلةً ... وفي العتاب حياة بين أقوام
(١) تفسير الطبري: ٣/ ٣٨١. (٢) قال الرازي: " اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جمع المعاني باللغة بالغة إلى أعلى الدرجات، وذلك لأن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثير، كقولهم: قتل البعض إحياء للجميع، وقول آخرين: أكثروا القتل ليقل القتل، وأجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم: القتل أنفى للقتل، ثم إن لفظ القرآن أفصح من هذا، وبيان التفاوت من وجوه: أحدها: أن قوله: {ولكم في القصاص حيواة} أخصر من الكل، لأن قوله: {ولكم} لا يدخل في هذا الباب، إذ لا بد في الجميع من تقدير ذلك، لأن قول القائل: قتل البعض إحياء للجميع لا بد فيه من تقدير مثله، وكذلك في قولهم: القتل أنفى للقتل فإذا تأملت علمت أن قوله: {في القصاص حيواة} أشد اختصارا من قولهم: القتل أنفى للقتل. وثانيها: أن قولهم: القتل أنفى للقتل ظاهرة يقتضي كون الشيء سببا لانتفاء نفسه وهو محال، وقوله: {في القصاص حيواة} ليس كذلك، لأن المذكور هو نوع من القتل وهو القصاص، ثم ما جعله سببا لمطلق الحاية لأنه ذكر الحياة منكرة بل جعله سببا لنوع من أنواع اللحياة. وثالثها: أن قولهم القتل أنفى للقتل، فيه تكرار للفظ القتل وليس قوله: {في القصاص حيواة} كذلك. ورابعها: أن قول القائل: القتل أنفى للقتل، لا يفيد إلا الردع عن القتل، وقوله: {في القصاص حيواة} يفيد الردع عن القتل وعن الجرح وغيرهما فهو أجمع للفوائد. وخامسها: أن نفي القتل مطلوب تبعا من حيث إنه يتضمن حصول الحياة، وأما الآية فإنها دالة على حصول الحياة وهو مقصود أصلي، فكان هذا أولى. وسادسها: أن القتل ظلما قتل، مع أنه لا يكون نافيا للقتل بل هو سبب لزيادة القتل، إنما النافي لوقوع القتل هو القتل المخصوص وهو القصاص، فظاهر قولهم باطل، أما الآية فهي صحيحة ظاهرا وتقديرا، فظهر التفاوت بين الآية وبين كلام العرب". (مفاتيح الغيب: ٥/ ٢٢٩ - ٢٣٠). (٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٢. (٤) صفوة التفاسير: ١/! ٠٥. (٥) البحر المحيط: ١/ ٤٤٦. (٦) تفسير السعدي: ١/ ٨٥. (٧) البيت لهمام الرقاشي في "مقاييس اللغة" ٤/ ٣٧٧، ولعصام بن عبيد الزماني في "تاج العروس"، وبلا نسبة في "لسان العرب" ٦/ ٣٢٨٩ (غلل).