تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً} [الأنعام: ١٥٨]؛ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة؛ ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" (١).
وهل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟ للعلماء في هذا ثلاثة أقوال؛ الأول: أنها تصح؛ والثاني: أنها تصح إن كان الذنب من غير الجنس؛ والثالث: لا تصح؛ والصحيح أنها تصح من ذنب مع الإصرار على غيره؛ لكن لا يستحق اسم التائبين على سبيل الإطلاق؛ فلا يستحق وصف التائب، ولا يدخل في مدح التائبين؛ لأن توبته مقيدة من هذا الذنب المعين؛ ومثال ذلك: إذا تاب رجل من الزنى لكنه يتتبع النساء بالنظر المحرم فإن توبته من الزنى تصح على القول الراجح؛ لكن لا يستحق وصف التائب على سبيل الإطلاق؛ وعلى القول بأنها تصح إذا كانت من غير الجنس: فإنها لا تصح؛ وإذا تاب من الزنى مع الإصرار على الربا فإنها تصح؛ لأن الربا ليس من جنسه؛ إلا على القول الثالث الذي يقول لا تصح إلا مع الإقلاع عن جميع الذنوب.
٨ - ومن فوائد الآية: عظم الكتمان؛ لأن الله ذكر لنجاتهم من هذه اللعنة ثلاثة شروط: التوبة، والإصلاح، والبيان؛ لأن كتمهم لِما أنزل الله يتضمن إفساداً في الأرض، وإضلالاً للخلق؛ فتوبتهم منه لا تكفي حتى يصلحوا ما فسد بسبب كتمانهم، مثال ذلك: قوم كتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: «ليس هو بالرسول الذي سيبعث»؛ فسيضل من الناس بناءً على قولهم عالَم؛ فلا يكفي أن يتوبوا، ويندموا، ويقلعوا، ويُسْلِموا، حتى يصلحوا ما أفسدوا من الآثار التي ترتبت على كتمانهم الحق؛ وإلا لم تصح التوبة.
٩ - ومن فوائد الآية: عظم العلم، وأنه حمل ثقيل، وعبء عظيم على من حمَّله الله سبحانه وتعالى إياه، وأن الإنسان على خطر إذا لم يقم بواجبه من البيان؛ وسبق أن البيان حين يحتاج الناس إليه ويسألون، إما بلسان الحال؛ وإما بلسان المقال.
القرآن
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)} [البقرة: ١٦١]
التفسير:
إن الذين جحدوا الإيمان وكتموا الحق، واستمروا على ذلك حتى ماتوا، أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين بالطرد من رحمته.
ذكر ابن حجر في سبب نزول الآية قولين (٢):
أحدهما: قال ابن حجر: قال الطبري: "نزلت في الذين جحدوا نبوة محمد وكذبوا، من اليهود والنصارى وغيرهم" (٣).
الثاني: قال ابن حجر: "وقال مقاتل: نزلت فيمن مات من اليهود على الكفر" (٤).
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة: ١٦١]، أي: إن الذين "كفروا بالله" (٥).
(١) أخرجه أحمد ٤/ ٩٩، حديث رقم ١٧٠٣٠، وأخرجه أبو داود ص ١٤٠٦، كتاب الجهاد، باب ٢: الهجرة قد انقطعت، حديث رقم ٢٤٧٩، وأخرجه الدارمي ج ٢/ ٣١٢، كتاب السير، باب ٧٠: الهجرة لا تنقطع، حديث رقم ٢٦١٣؛ وفي سنده أبو هند البجلي قال الذهبي في الميزان ٤/ ٨٥٣: "لا يصرف؛ لكن احتج به النسائي على قاعدته"؛ قال عبد القادر في تخريج جامع الأصول لابن الأثير ١١/ ٦٠٦ حاشية رقم (٢): رواه أحمد في المسند ١/ ١٩٢ من طريق آخر وإسناده حسن. أهـ (باختصار).
(٢) انظر: العجاب: ١/ ٤١٣.
(٣) العجاب: ١/ ٤١٣، ولم يقل الطبري: "نزلت"، وإنما قال: "يعني تعالى ذكره بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا}، إن الذين حجدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ... " والفرق بين التعبيرين واضح. انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٦١.
(٤) العجاب: ١/ ٤١٣، لم يقل مقاتل: "نزلت" وإنما قال: "ثم ذكر مَنْ مات من اليهود على الكفر ... ".انظر: تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥٣.
(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٩٦.