للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وأبو داوود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موءودة من قبرها) (١). وقال صلى الله عليه وسلم لهزال: (هلا سترته بردائك) (٢). خرجه أهل الصحيح، ولا أمر صلى الله عليه وسلم بقطع السارق، قال صفوان: لم أرد هذا يا رسول الله، فقال: (فهل لا قبل أن تأتيني به) (٣). وكذلك الجِوارُ أَمانَةٌ والجار عليه أمين يَغُضُّ بصره ويُصِمُّ أذنيه ويكف عنه أذاه ويسدل دونه حجابه، فإن رأى عورة سترها أو سيئة غفرها أو حسنة بثها ونشرها، وكان لأبي حنيفة جار إسكاف أي صانع يعمل نهاره أجمع، فإذا جنه الليل رجع إلى منزله وقد حمل لحما فطبخه أو سمكة فشواها، ثم لا يزال يشرب حتى إذا دب الشراب فيه غزل بصوت يقول:

أضاعوني وأي فتى أضاعوا … ليوم كريهة وسداد ثغر

فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله، ففقد أبو حنيفة ليلة صوته فاستخبر عنه، فقيل: أخذه الشرط وهو محبوس، فلما صلى أبو حنيفة الصبح من غد ركب بغلة وجاء الأمير فاستاذن عليه فأذن له وأن لا ينزل حتى يطأ البساط، فلم يزل الأمير يوسع له في مجلسه حتى أنزله مساويا له، فقال: ما حاجتك؟ قال: إسكاف أخذه الحرس ليأمر الأمير بتخليته، قال: نعم، وكل من أخذ معه تلك الليلة، فخلى جميعهم، فركب أبو حنيفة والإسكاف يمشي خلفه فلما نزل مضى إليه، وقال: يا فتى أضعناك؟ قال: لا، بل حفظت ورعيت جزاك الله خيرا عن حرمة الجار ورعاية الحق، وتاب الرجل مما كان فيه. اهـ. الرابع: إذا شهد واحد على إنسان أنه شرب خمرا ينكل الشاهد. قاله في المدونة. نقله المواق. الخامس: إن تضرر بالرفع سقط عنه كما يسقط التغيير، ولما ذكر عياض شرف ملك ورجوع أشياخه إليه حكى أن ابن هرمز مر بدار بعض أهل الأقدار وهو واقف مع مولاة له فقال له ابن هرمز: إنك على الطريق وهذا لا يحل لك، فقال لعبيده: طئوا بطنه فوطئوه حتى حمل إلى


(١) أبو داود، كتاب الأدب، رقم الحديث ٤٨٩١.
(٢) الموطأ، كتاب الحدود، رقم الحديث ٣ ولفظه لو سترته بردائك.
(٣) الموطأ، كتاب الحدود، رقم الحديث ٣١.