للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المتأخرين: إنه مذهب ابن القاسم، خلاف مذهب مطرف وابن الماجشون، وعند ابن رشد أن المخاصمة إنما تبطل ما لا يستدام فيه التحريم، وأما ما يستدام فيه التحريم فلا تبطله المخاصمة، وظاهر كلام المازري فيما حكى عنه الإطلاق كظاهر المص. قاله الحطاب. الثالث: ظاهر كلام المص أيضا أن المخاصمة في حق الله تعالى مبطلة مطلقا ولو كان القائم فيها من أصحاب الشرط الموكلين بتغيير المنكر، وليس كذلك بل هو مقيد بغيرهم، قال ابن رشد في رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب الشهادات: قال ابن القاسم في صاحب سوق أخذ سكرانا فسجنه وشهد عليه وآخر معه: فقال: لا أرى أن تجوز شهادته لأنه قد صار خصما حين سجنه، ولو رفعه إلى غيره قبل أن يسجنه وشهد مع الرجل جازت شهادته عليه. اهـ. قال ابن رشد: وإنما جازت شهادته عليه لأن ما فعل من أخذه ورفعه لازم له من أجل أنه موكل بالمصلحة، ولو لم يكن صاحب السوق موكلا بالمصلحة فأخذ سكرانا فرفعه إلى غيره لم تجز شهادته عليه، وقال ابن القاسم في أربعة نفر شهدوا على رجل بالزنى فتعلقوا به فأتوا به إلى السلطان وشهدوا عليه، قال: لا أرى أن تجوز شهادتهم وأراهم قَذَفَةً، ورواه أصبغ في كتاب الحدود، قال محمد بن رشد: إنما لم تجز شهادتهم لأن ما فعلوه من أخذهم وتعلقهم به ورفعهم إياه إلى السلطان لا يلزمهم ولا يجب عليهم: بل هو مكروه لهم؛ لأن الإنسان مأمور بالستر على نفسه وعلى غيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله فإنه من يُبْدِ لنا صفيحته نُقِمْ عليه كتاب الله) (١). اهـ. وقال عبد الباقي: ويستتنى رفع صاحب شرطة مُوَلًّى من سلطان أو نائبه على تغيير المنكر بالمصلحة فتقبل شهادته مع غيره عند موليه على سرقة شخص أو زناه حيث رفعه عند أخذه كما قال ابن القاسم؛ لأنه مأمور برفعه من حيث إنه موكل بالمصلحة، لا إن سجنه ثم رفعه له فلا إلا لعذر كليل. اهـ. وقال الشبراخيتي: ولا إن حرص على القبول لشهادته كمخاصمة مشهود عليه من إضافة المصدر للمفعول؛ أي كمخاصمة الشاهد مشهودا عليه مطلقا أي في حق الله وحق الآدمي، وسواء خاصم عن الآدمي بتوكيل أو بغير


(١) الموطأ، كتاب الحدود، رقم الحديث ١٣.