والتأبيد لم يجز إقرار هذا النكاح الثاني لأنه نقض للحكم الأول: وبهذا تعلم أن في كل من المثالين في كلام المص إشكالا، لكن الأول مسلم لفظا مشكل معنى، والثاني بالعكس، وعبارة ابن الحاجب أحسن، لأنه قال: ونكاح معتدة. والله أعلم. راجع ابن غازي والحطاب. وقوله: وتأبيد، قرره غير واحد بأنه عطف على رضع، أي كفسخ برضع كبير وفسخ بسبب تأبيد منكوحة عدة، لا أنه حكم بالتأبيد كما هو ظاهره، إذ لو وقع كذلك لم يكن له ولا لغيره تعقبه بل تتأبد. والله سبحانه أعلم. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: والظاهر أن هذا لا يدفع الإشكال، لأنه إذا فسخه لأجل التأبيد استلزم ذلك كونه حكم بالتأبيد، فالأحسن لو قال: ومنكوحة عدة. والله سبحانه أعلم. ويمكن تصحيح كلام المص بجعل وتأبيد عطفا على فسخ، ومعناه ينظر في تأبيد منكوحة العدة فإن أداه اجتهاده إليه وقع وإلَّا صَحَّ نكاحها حيث فسخ نكاحها لفساد العقد لا للتأبيد. والله تعالى أعلم. انتهى. وقال الحطاب: ما ذكره ابن عرفة من البحث مع ابن رشد وتفريقه بين المثالين ظاهر، لأن حكم القاضي في رضاع الكبير بفسخ النكاح مستلزم لحكمه بتحريم رضا الكبير. إذ لا موجب للفسخ سواه، فحكم القاضي بصحة النكاح الثاني رافع للحكم الأول بتحريم رضاع الكبير فلا يصح حكمه بذلك، بخلاف حكمه بفسخ نكاح المعتدة فإنه لا يستلزم الحكم بتأبيد حرمتها، لأن الفسخ لكون النكاح في العدة فاسدا وتأبيد التحريم أمر وراء ذلك اختلف فيه العلماء، نعم وقع في عبارة ابن شأس التي نقلها الجماعة عنه ومنهم ابن عرفة أن القاضي فسخ نكاح المعتدة وحرمها، فإن كان مرادهم بقولهم: حرمها، أنه حكم بحرمتها عليه للفسخ فما قالوه ظاهر، وإن كان مرادهم أن القاضي حكم بتأبيد تحريمها فكيف يصح حكم القاضي الثاني بصحة النكاح الثاني؟ ولعلهم فهموا المعنى الأول، فأما على الثاني فلا يجوز للقاضي الثاني أن يحكم بصحة الحكم الثاني. اهـ.
تنبيه: لو رفع نكاح الناكح في العدة لقاض ففسخه، ثم تزوجها ذلك الزوج بعد انقضاء العدة والاستبراء من وطئه، فرفع ذلك لقاض يرى تأبيد تحريمها ففسخ النكاح، فلا يصح حينئذ لقاض آخر أن يحكم بصحة نكاحها بعد ذلك، لأن فسخ هذا النكاح الثاني مسلتزم للحكم بتأبيد