وصوله بلد ربه فيضمن الرسول ذلك في تركته فالضامن هنا الرسول، فإن مات بعد وصولها ولم توجد في تركته فلا ضمان ويحمل على أنه أوصله بإشهاد كما لا ضمان على المودع والمدين بالدفع لرسول ربها المذكور، مات قبل الوصول أو بعده، ويرجع الكلام بين المرسل وورثة رسوله، فإن مات قبل الوصول رجع في تركته وإن مات بعده فلا، فيصح حمل كلام المص على رسول رب الوديعة كما قدمنا وعليه اقتصر أحمد وعلى رسول المودع؛ لأن تفصيله في ضمان الرسول جار فيهما، ومفهوم قوله:"بموت" أنه إن لم يمت وكذبه المرسل له لم يصدق إلا ببينة ولا يعمل بتصديق المودع بالفتح له ويضمن هو أيضا إن دفع له بغير إشهاد على الدفع؛ لأنه لما دفع إلى غير اليد التي ائتمنته كان عليه الإشهاد فلما تركه صار مفرطا. انتهى.
وقال المواق من المدونة: قال مالك: وإن بعثت بمال إلى رجل ببلد فقدمها الرسول ثم مات بها وزعم الرجل أن الرسول لم يدفع إليه شيئا فلا شيء لك في تركة الرسول، ولك اليمين على من يجوز أمره من ورثته أنه ما يعلم لك شيئا، ولو مات الرسول قبل أن يبلغ البلد فلم يوجد للمال أثر فإنه يضمنه ويؤخذ من تركته. اللخمي: وجه هذا أنه في الطريق مودع وهو يقول في الوديعة إذا مات المودع ولم توجد الوديعة إنها في ماله، وبعد الوصول وكيل على الدفع ومحصوله أنه امتثل ما وكل عليه، وقد يخفى على ورثته من كان أشهد على دفعها فلا يضمن بالشك.
وبكلبس الثوب وركوب الدابة يعني أن المودع إذا لبس الثوب حتى أبلاه أو ركب الدابة حتى عطبت فإنه يضمنها، وتقدم أنه قال: وبانتفاعه بها فهو أعم من هذا، وإنما أعاده ليرتب عليه قوله: والقول له أنه ردها سالمة. قاله الخرشي؛ يعني أن القول قول المودع أنه رد الدابة سالمة بحالها، وكذا يكون القول قوله إنه رد الثوب سالما أي بحاله مع يمينه. إن أقر بالفعل أي العداء في اللبس والركوب أي لم يعلم ذلك إلا بقوله وعليه الكراء حينئذ، ومفهوم الشرط أنه لو قامت عليه بينة بالفعل أي بركوب الدابة ولبس الثوب بعد إنكاره فادعى أنه ردها سالمة لم يقبل قوله، وهو كذلك: قال عبد الباقي: ولا يخالف منطوقه هنا قوله: "وبرئ إن رد غير المحرم"، وأما المحرم فلا يبرأ إلا بشهادة بينة برده لأن ما هنا انتفاع بها حال كونها وديعة، وما تقدم انتفاع بها بعد أن تسلفها، فما هنا باق في أمانته وما تقدم خرج من أمانته لذمته. انتهى.