الثلاثة لأنه ربا الجاهلية، فلذلك بدأ به، وكان ربا الجاهلية أن يقول رب الدين لمدينه: إما أن تقضيني ديني وإما أن تربي لي فيه، وقوله: فسخ ما في الذمة في مؤخر، قد علمت أنه سواء حل الأجل أم لا، ومحل المنع إذا كان المؤخر من غير جنس الدين أو كان من جنسه حيث كان أكثر، فإن كان مساويا أو أقل جاز، وسواء في ذلك الطعام والنقد وغيرهما، كما لو كان له عليه عشرة دراهم فأخره بها أو حط منها درهما وأخره بالتسعة فذلك جائز، وليس من فسخ ما في الذمة في مؤخر الممنوع بل سلف فقط أو مع حطيطة، ولا محذور فيه. ونظم ذلك بعضهم فقال:
وشرط فسخ الدين أن يفسخ في … جنس مخالف أو أكثر يفي
وفي إطلاق الفسخ على المؤخر من جنسه وهو مثله تجَوُّزٌ لأنه لم يدخل في قوله: فسخ؛ إذ حقيقة الفسخ الانتقال عما في الذمة إلى غيره: فانتقاله إلى مثله ليس بفسخ، وكذا انتقاله لما دونه إذ هو حطيطة. قاله عبد الباقي. وقال: دخل في كلام المص ما إذا أخذ منه في الدين شيئا ثم رده له بشيء مؤخر من غير جنس الدين أو من جنسه وهو أكثر؛ لأن ما خرج من اليد وعاد إليها يعد لغوا، وسيأتي نحوه في بيوع الآجال، وقوله: فسخ أي ولو اتهاما كما لو قضاك في دينك ثم رددته له سلما، وهاتان الصورتان يقعان كثيرا بمصر للتحيل على التأخير بزيادة. انتهى. وقال بناني: قال ابن عرفة: والتهمة على فسخ الدين في الدين معتبرة، في صرفها: إن قبضت من غريمك دينا فلا تعده إليه مكانك سلما في شيء، ولو أسلمت إليه دنانير ثم قضاكها بحدثان ذلك من دين لك عليه بغير شرط لم يجز. انتهى. وقال المواق في الحديث من غير الكتب المشهورة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الكالئ بالكالئ. ابن عرفة: تلقي الأئمة هذا الحديث بالقبول يغني عن طلب الإسناد فيه، كما قالوا في لا وصية لوارث، لو معينا بتأخر قبصه؛ يعني أنه لا يجوز فسخ ما في الذمة في مؤخر، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المؤخر في الذمة وبين أن يكون معينا يتأخر قبضه. من المدونة قال مالك: من لك عليه دين حال أو إلى أجل فلا تكتري منه داره