وأنت تنادي معهم ربنا أتمم لنا نورنا فتوهم ممرك عليه على قدر خفة أوزارك، حتى إذا جزته وخلفته وراء ظهرك التفَتَّ إليه ونظرت وقد اشتد اضطرابه والخلائق من فوقه وجهنم من تحته تثب وتزفر على من زل فيها فطار قلبك فرحا إذ رأيت عظيم ما نجاك الله سبحانه منه، ثم خطوت آمنا إلى الجنة وقد ملئت سرورا إذا وافيت الجنة بغبار قبرك فنظرت إلى العينين اللتين أعدهما الله تعالى لأوليائه فاغتسلت في إحداهما فوجدت بردا أذهب عنك كرب حر المقام، فتوهم فرحة قلبك لما باشر من برد مائها بدنك وجسمك ازداد بهجة ونضرة ونعيما ثم تخرج منها في أحسن صورة وأتم نور وأنت موقن بأنك إنما تنظر الدخول إلى جوار ربك الكريم الرحيم، ثم شربت من العين الأخرى فتطهر جوفك من كل غل وحسد فنقي ووجدت طعم شراب لم تجد مثله قط فطار قلبك فرحا وسرورا لما وجدت من لذته ووجدت لذة طهارة قلبك من الغل والهم والحزن؛ ثم أمر مولانا سبحانه الخزنة أن يفتحوا أبواب الجنان لأوليائه فلما فتحت أبوابها فاح منها طيب نسيم الجنان من أنواع الزعفران والكافور والسك والعنبر فنظرت إلى حسن قصورها وحسن بنائها بطرائف الزمرد والياقوت والدر والزبرجد.
فتوهم نفسك وأنت في هذه الحالة وقد سلمت عليك الخزنة وهم يقولون:{سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} فتوهم نفسك حسن كلامهم وحسن تسليمهم فلما سمعت ذلك كاد قلبك أن يطير فرحا وقد ازدحمت علي باب الجنة مسرورا مع مسرورين مبادرا مع مبادرين بأبدان قد طهرت ووجوه قد أشرقت فبينما أنت تتخطى في أعراض الجنان ورياض الغفران وكثبان المسك إذ نودي في أزواجك وخدمك وولدانك وقهارمتك وغلمانك ألا إن فلانا قد أقبل فأجلبوا وتبششوا لقدومك قد استحق أزواجك العجلة فبعثت كل واحدة منهن رسولا لينظر إليك ويسرع الرجعة إليها، فلما أخبرها بقدومك قالت لرسولها أنت رأيته لشدة فرحها بك وقد كاد الشوق أن يستخفها فتخرج إليك لولا أنهن قصرن في الخيام كما قال الله تبارك وتعالى:{حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} فوضعن أيديهن على عضائد أبوابهن وأشرفن برؤوسهن متطلعات ينظرن صفحة وجهك أن يبدو لهن، فبينما أنت تمشي في كثبان المسك ورياض الزعفران وأنت تنظر إلى قصورك ومنازلك إذ استقبلك بعض قهارمتك فأعظمت شأنه وظننت أنه من ملئكة ربك فقال لك: يا ولي الله أنا من قهارمتك ولك مثلي سبعون ألفا ثم أقبلت عليك قهارمتك بالتسليم والتعظيم ثم اتبعتهم