إباحة المبتوتة إنما هو حيث كان الفاسد لا يثبت بعد الدخول، فإن ثبت بعد الدخول فهو ما أشار إليه بقوله؛ بوطء ثان متعلق بمحذوف تقديره حلت؛ يعني أن النكاح الفاسد إذا كان يثبت بعد الدخول فإن المبتوتة تحل فيه بالوطء الحاصل بعد الذي ثبت به وهو الوطء الثاني.
وفي الأول تردد يعني أن الباجي تردد في حلية المبتوتة بالوطء الأول، فقال: لم أر فيه نصا وعندي أنه يحتمل الوجهين الإحلال وعدمه، قال في التوضيح: بناء على أن النزع وطء أم لا.
تنبيه: اعلم أن مذهب الجمهور عدم حلية المبتوتة بالعقد، وذهب سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير إلى أن العقد يكفي لكن يشترط عندهما عدم قصد التحليل، وتواتر النقل عن سعيد بن المسيب بالرجوع عنه وأنه وافق الجمهور، ونقل بعض الحنفية عن ابن جبير أنه رجع أيضا فيحرم العمل بمذهبهما الأول ولا تحل به المبتوتة لأنه شاذ كما نص عليه أبو الحسن وغيره، ولأن علم ما يعتبر عندهما من الشروط والأركان في هذه المسألة متعذر لعدم تدوين مذهبهما، وربما أدى ذلك إلى التلفيق وهو هفوة ممن يحكم بذلك. قاله الشيخ عبد الباقي.
كمحلل مثال للفاسد الذي لا يثبت بعد الدخول؛ يعني أن نكاح المحلل لا يحل المبتوتة وطؤه، ونكاح المحلل هو أن يتزوج الرجل مبتوتة بقصد أن يحلها لباتها، وإنما كان كذلك لما صححه الترمذي من حديث ابن مسعود:(لعن الله المحلل والمحلل له (١))، وخرجه أيضا أبو داوود والنسائي وابن ماجه وأحمد في مسنده، وخرج الدارقطني وابن ماجه أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:(ألا أخبركم بالتيس المعار؟ قالوا بلى قال هو المحلل، ثم قال: لعن الله المحلل والمحلل له (٢))، قال عبد الحق: وإسناده جيد ولا يقال إنه عليه الصلاة والسلام سماه تيسا محللا؛ لأنا نقول إنما سماه على زعمهم، ويفسخ نكاح المحلل قبل البناء وبعده بطلاق بائن إذا أقر بالتحليل بعد العقد، وأما إن أقر قبل العقد بقصد التحليل فليس بنكاح. قاله في المدونة. قال في التوضيح: يعني فيفسخ بغير طلاق. الباجي: وعندي أنه يدخله الخلاف في النكاح الفاسد
(١) سنن أبي داوود، كتاب النكاح، رقم الحديث، ٢٠٧٦. وسنن الترمذي كتاب النكاح، رقم الحديث، ١١١٩. وسنن ابن ماجه، رقم الحديث، ١٩٣٦، ١٩٣٤. ومسند أحمد، ج ٢، ص ٣٢٣. (٢) ألا أخبركم بالتيس المستعار قالوا بلى يا رسول الله قال هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له، سنن ابن ماجه، كتاب النكاح، رقم الحديث، ١٩٣٦.