لبطلان النطق بهما معا، والفرض أنه لم يتقدم فبقي العام على عمومه، بخلاف النية فإنها مقارنة إذ لو تأخرت لم تفد، وإذا قارنت أو تقدمت لم يتأت معها إبقاء العام على عمومه حتى يخصص، بل لم يرد به إلا المنوي، فهو عام أريد به المخصوص فيبطل قوله: إن النية هنا مؤكدة. انتهى.
قال الشيخ بناني: وهذه الطريق أي طريق المتقدمين هي الحق. انتهى. قال: وردوا على القرافي أيضا بأن النية هي أول معتبر في الأيمان ثم السبب والبسَاط، وإذا اقتضى السبب والبساط تقييد اللفظ أو تخصيصه لكونهما يدلان على التخصيص أو التقييد، فلأن يعتبر التخصيص أو التقييد المنويان من باب أولى، وقال الشيخ أبو زيد الفاسي: والصحيح في النظر أن النية تكون مخصصة وإن لم تكن منافية من جهة أن القواعد الشرعية تقتضي أنه لا تترتب الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات إلا على النية والمقصود، وما ليس بمنوي ولا مقصود فغير معتد به ولا مؤاخذ بسببه، وهذا أمر لا يكاد يجهله أحد من الشرع، قال ابن الشاط رحعه الله: ولم يحمل شهاب الدين فيما قاله على ذلك إلا توهمه أن حكم النية كحكم الألفاظ الدالة على المدلولات، والأمر ليس كما توهم. والله أعلم. انتهى.
وقال البقوري والسبتي (١) في اختصار الفروق: ويرد على القرافي أن قول القائل والله لا لبست ثوبا ونوى الكتان وغفل عن غيره، هو بمنزلة ما لو صرح بذلك، فقال: والله لا لبست ثوب كتان وهو غافل عن غير الكتان، فإنه لا يحنث بغير الكتان إجماعا، فكذلك ما نحن فيه. انتهى. وقال ابن مرزوق: قد رد على القرافي جماعة منهم العلامة المحقق أبو موسى بن الإمام (٢) بما يطول جلبه، وتأمل كثرة ما وقع من مسائل المذهب أنه لا يحنث بغير ما نوى. نقله الشيخ محمد بن الحسن. وقال بعد جلب كلام: فتبين مما تقدم ضعف طريقة القرافي، وأنه لا ينبغي حمل كلام المص عليها كما فعله الحطاب، وتبعه الزرقاني، وإنما ينبغي أن يحمل على الطريقة الأخرى ويكون
(١) في البناني ج ٣ ص ٦٥ البقوري السبتي. (٢) في البناني ج ٣ ص ٦٥ أبو موسى بن الأمان.