للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وتحصل مما مر أن النية إنما تخصص وتقيد في المحل الذي يصلح أن تخصص أو تقيد فيه. إن نافت؛ راجع لقوله: "وخصصت"؛ يعني أنه يشترط في النية المخصصة أن تكون منافية للفظ الذي وقعت فيه بأن يكون ظاهر اللفظ ينفيها وهي تنفيه، فقوله: "تافت" فاعلت من النفي، أصله نافيت قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وحذفت لالتقاء الساكنين كما في ساوت.

والمنافاة المذكورة هي أن يكون لفظ الحالف يقتضي ثبوت الحكم لصور، والنية المخصصة تنفي ذلك الحكم عن تلك الصور، واحترز بقوله: "تافت"، عما إذا لم تكن النية منافية فإنها لا تعتبر، فمن حلف لا يأكل بيضا ونوى بيض الدجاج، فإن نوى إخراج غيره من البيض لم يحنث إلا ببيض الدجاج؛ لأن هذه النية منافية، وإن لم ينو إخراج بيض غير الدجاج من اليمين حنث بالجميع؛ لأن نيته حينئذ مؤكدة لا منافية، وسيأتي مزيد بيان لهذا إن شاء الله.

وساوت، راجع لقوله: "وخصصت"، كما في الخرشي، والواو للحال من الضمير في نافت، ورجعه غير واحد لقوله: "وقيدت"، وعلى كل فهو في المعنى راجع لهما، ومنهم من قدر وافقت فيرجعها للتخصيص، ويرجع ساوت للتقييد. والله سبحانه أعلم؛ يعني أنه يشترك في النية المخصصة مع المنافاة أحد أمرين، إما أن تكون مساوية لظاهر اللفظ أو مخالِفة له مخالَفَةً قريب، ومعنى كونها مساوية لظاهر اللفظ أن يشتمل الكلام على قرينة تشهد بصحة النية المدعاة، ومعنى المساواة في المطلق أنه يمكن أن يقصد باللفظ الصادر عنه ما ادعى أنه نواه، ويمكن أن لا يقصد على حد سواء فتقبل نيته في الفتوى والقضاء عند المساواة، فمثال النية المساوية في المطلق من له زوجتان كل منهما تسمى زينب ويقول: زينب طالق إن دخلت الدار، ويقول: أردت زينب بنت فلان، ومثال النية المساوية في العام سيذكره قريبا في الله يتنازعه "خصصت" "وقيدت"؛ يعني أن النية تخصص وتقيد على ما مر في اليمين بالله، مثال المخصصة: والله لا تزوجت حياة عمرة وهي تحته، ثم إنه فارقها وتزوج امرأة غيرها وعمرة في قيد الحياة، فقيل له: حنثت حيث تزوجت غير عمرة وهي حية، فقال: أردت أن لا أتزوج ما دامت تحتي، وأخرجت من يميني ما إذا لم تكن في عصمتي، فهذا تقبل نيته في الفتوى والقضاء؛ لأن نيته منافية بإخراجه ما إذا لم تكن في عصمته مساوية؛ إذ يمكن على حد السواء أن هذا الحالف أراد ظاهر اللفظ أي مقتضاه،