ولما أنهى الكلام على حد اليمين وصيغتها والموجبة للكفارة منها وأنواع الكفارة وتكرارها واتحادها. أتبع ذلك بالكلام على ما يخصصها ويقيدها، فقال: وخصصت نية الحالف؛ يعني أن نية الحالف تخصص لفظه أي تقصره على بعض أفراده زمانا أو مكانا أو صفة، كلا أكلمه وينوي في الليل أو في المسجد، أو لا أكلم رجلا ويريد جاهلا فالتخصيص هو قصر العام على بعض أفراده والعام لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر؛ أي يتناول جميع ما يصلح له دفعة، وبهذا يخرج المطلق ومن غير حصر مخرج لأسماء العدد، فإنها نص في معناها، وقوله: يستغرق مخرج لأسماء الله عز وجل؛ لأنه لا استغراق فيها، ويمنع شرعا أن تستعمل في غير معناها، فإذا حلف بالله وقال أردت بزيد من باب إطلاق الفاعل على أثره لم تقبل نيته.
واعلم أن الألفاظ قسمان نصوص وظواهر، فالنصوص لا تقبل المجاز ولا التخصيص: والظواهر هي التي تقبلها. والنصوص قسمان: الأول أسماء العدد كالعشرة مثلا فلا يجوز أي يمتنع وضعا أن يطلقها ويريد التسعة ولا غيرها من الأعداد وهذا هو المجاز، وأما التخصيص فلا يجوز أي يمتنع وضعا أن تقول رأيت عشرة ثم تبين أنك أردت خمسة مثلا؛ أي لا تقبل التخصيص بالنية، وأما باللفظ كالاستثناء فإنها تقبله. الثاني من المنصوص الألفاظ التي هي مختصة بالله تعالى، نحو لفظ الجلالة ولفظ الرحمن، فإنه لا يجوز استعمالهما في غير الله إجماعا.
واعلم أن التخصيص مجاز أيضا لكن المجاز أعم؛ لأنه قد لا يبقى معه من السمى شيء كما تقول: رأيت إخوتك وتريد مساكنهم. انظر حانتية الشيخ بناني.
(وقيدت) يعني أن نية الحالف تقيد لفظه المطلق أي تحمله على فرد خاص، والمطلق هو اللفظ الدال على شائع في جنسه، فيخرج كل عام ولو نكرة في سياق الإثبات، نحو كل رجل، والمقيد هو الذي أضيف إلى مسماه قيد زائد عليه، فإذا قال: والله لأكلمن رجلا، وقال: نويت فلانا أو صالحا، فإنه لا يبر إلا بتكليم من نواه، والمطلق هنا يشمل شيئين، الأول النكرة نحو رجل في المثال المذكور، الثاني المشترك اللفظي سواء وقع في المعلم كمن له زوجتان كل منهما تسمى زينب، أو وقع في غيره نكرة كمن حلف لينظرن عينا، وقال: نويت الباصرة أو نويت النقد، أو معرفة كمن قال: والله لأكرمن أخاك وقال نويت فلانا.