البحر غربي مكة بينهما مرحلتان، وهو علم منقول إذ هي في الأصل الطريق، والجمع جدد كغرف وغرفة، قال جل من قائل:{وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ}، والحديبية ضبطها أكثر المحدثين بتشديد الياء، وضبطها الشافعي بتخفيفها، والمراد لآخرها من جهة الحل؛ إذ الحديبية من الحرم كما قال مالك، والشافعي بينها وبين مكة مرحلة واحدة.
وذكر أيضا ضابطا للحرم بقوله: ويقف سيل الحل دونه؛ يعني أن الحرم يعرف أيضا بأن سيل الحل إذا جرى إليه لا يدخله، وسيله إذا جرى يخرج إلى الحل ويجري فيه، وهذا تحديد للحرم بالأمارة والعلامة، والأول تحديد له بالمسافة، ولمحمد بن عزم رحمه الله تعالى:
إن رمت للحرم المكي معرفة … فاسمع وكن واعيا قولي وما أصف
واعلم بأن سيول الحل قاطبة … إذا جرت نحوه فدونه تقف
وما ذُكِرَ من وقوف سيل الحل دونه أغلبي، فلا ينافي قول الأزرقي: يدخله من جهة التنعيم، وكذا قول الفاكهي: من جهات أخر، ويعتبر التحريم وقت الإصابة لا وقت الرمي، فلو رمى صيدا وهو حلال، ثم أحرم قبل وصول الرمي إليه وأَصَابَتْهُ الرمية بعد إحرامه فعليه جزاؤه. نقله المصنف وابن عرفة. وأما الجزاء الذي يوجبه الحرم فيعتبر فيه كون الصيد بالحرم وقت الإصابة أو مرور السهم بالحرم. تعرض بري، الاسم الأول فاعل حرم وما بينهما اعتراض، والثاني مضاف إليه ما قبله وهو صفة لموصوف محذوف؛ أي حيوان بري وحشي، والإضافة على معنى اللام؛ يعني أنه يحرم على المحرم -وإن لم يكن في الحرم، وعلى من في الحرم وإن لم يكن محرما- أن يتعرض لحيوان بري، ويحرم اصطياده والتسبب في اصطياده ما لم يكن صاده حلال لحلال في الحل، فإنه يجوز للحلال أن يذبحه في الحرم، وأما الحيوان البحري فلا يحرم على المحرم أن يصطاده، لقوله تعالى:{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ}.
وإن تأنس؛ يعني أنه لا يجوز للمحرم ولمن في الحرم التعرض لحيوان بري وحشي، وإن كان قد خرج عن طباع الوحش وتأنس، ويدخل في البري الجراد فيحرم اصطياده، ويدخل فيه أيضا الضفدع البري والسلحفاة البرية ونحوهما، والحيوان البري هو ما مقره البر وإن كان يعيش في