بين الكثير واليسير فيهما، وإنما يفرق بين اليسير والكثير في مسألة خلوق البيت، فالكثير يجب نزعه فورا ويخير في اليسير، فإن شاء نزعه وإن شاء تركه، فصح أن قوله:"وخير في نزع يسيره"، خاص بمسألة الخلوق، وهو الذي قاله الحطاب والتتائي وارتضاه ابن عاشر والرماصى، وجعله الأجهوري وعبد الباقي وأحمد راجعا لمسألتي الخلوق والباقي مما قبل الإحرام، وجعله الشيخ سالم راجعا للمسائل الثلاث، أعني الباقي مما قبل الإحرام، والصيب من الإلقاء، والمصيب من الخلوق. وذلك كله غير ظاهر، والصواب أنه خاص بمسألة الخلوق كما مر.
وتحصل مما مر أن المصيب مما ألقته الريح أو شخص غير المحرم يجب نزعه فورا، فإن تراخى فالفدية قل أو كثر، وكذا يجب نزع الباقي مما قبل الإحرام إن كان جرما قل أو كثر، وتقدم أن فيه الفدية، وأن المصيب من يسير خلوق البيت يخير في نزعه وتركه، وأشار إلى الكثير منه بقوله: وإلا، مركب من إن الشرطية ولا النافية؛ أي وإن لا يكن المصيب من خلوق البيت يسيرا بل كان كثيرا، فإنه يجب عليه نزعه فورا، فإن نزعه فورا فلا شيء عليه، فإن تراخى في نزعه لزمته الفدية، كما قال: افتدى إن تراخى؛ أي فإن كان المصيب من خلوق البيت كثيرا لزمته الفدية بشرط أن يتراخى في نزعه، واحترز بذلك عما لو نزعه فورا فإنه لا فدية عليه كما عرفت. والله سبحانه أعلم.
وعلم مما قررت أن قوله:"وإلا افتدى إن تراخى"، خاص بمسألة الخلوق، كما أن قوله:"وخير في نزع يسيرة"، خاص بها، ثم ما ذكره المصنف من لزوم الفدية في الكثير من الخلوق إن تراخى في نزعه ضعيف، والمذهب أنه لا فدية فيه، ولهذا قال الرماصي: إنما يؤمر بالغسل أي ندبا، ولا قائل بالفدية إلا ما يؤخذ من ظاهر كلام ابن وهب، وفي المدونة: ولا شيء عليه فيما أصابه من خلوق الكعبة. انتهى. والخلوق من الطيب المؤنث، لكن عفي عنه للضرورة، ومفهوم قوله:"تراخى"؛ أنه لو لم يتراخ لا فدية عليه، فإن قدر على إزالته بمجرد صب الماء فحسن، وإن لم يقدر على نزعه إلا بمباشرة بيده فعل، وإنما لم تكن عليه الفدية مع الفور لأنه فعل ما أمر به، (وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المتضمخ بالخلوق بغسله ولم يذكر فدية (١))، وقوله: "وإلا
(١) الموطأ، كتاب الحج، الحديث: ٧٢٨. والبخاري، كتاب الحج، الحديث: ٥١٣٦. ومسلم، كتاب الحج، الحديث: ١١٨٠.