وابن عرفة أنها لا تسقط إلا في بقاء الرائحة دون الأثر. ابن عرفة: ولا يتطيب قبل إحرامه بما يبقى ريحه بعده. الباجي: إن فعل فلا فدية عليه: لأنها إنما تجب بإتلاف الطيب بعد الإحرام، وهذا أتلفه قبله، وإنما يبقى منه بعد الإحرام الرائحة. انتهى.
وعلم مما قررت أن قوله:"باقيا"، عطف على المستثنى، وعلم مما مر أن التطيب قبل الإحرام بما يبقى بعده مكروه فلا فدية فيه كما علمت؛ (لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المتضمخ بالخلوق أن يغسله عنه ولم يذكر له فرية (١)).
أو مصيبا من إلقاء ريح؛ يعني أن المحرم إذا ألقت عليه الريح شيئا من الطيب فإنه لا فدية عليه: بشرط أن يطرحه بسرعة، فإن تراخى في طرحه لزمته الفدية، أو غير؛ يعني أن المحرم إذا ألقى عليه غيره شيئا من الطيب فإنه لا فدية عليه، ألقاه على ثوبه أو بدنه، نائما أو غير نائم، أو من غير علمه لكن بشرط أن ينزعه عن نفسه في الحال، وإلا لزمته الفدية. قاله الخرشي. وغيره.
وعلم مما قررت أن "مصيبا"؛ عطف على المستثنى، وقوله: أو خلوق كعبة؛ عطف على "إلقاء"، فهو مجرور أي: مصيبا من إلقاء ريح ومصيبا من خلوق كعبة؛ فهو داخل في الاستثناء؛ يعني أن المحرم إذا أصابه طيب من الخلوق الذي على الكعبة شرفها الله تعالى، فإنه لا فدية عليه، ولو كثر لطلب القرب من البيت؛ والخلوق كصبور، قال الجوهري: ضرب من الطيب، وفي النهاية: طيب مركب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، ويغلب عليه الحمرة والصفرة، ولا يفسر بما فسره بد سند وهو العصفر؛ لأنه ليس بطيب، ويرده قوله: وخير في نزع يسيره؛ أي خلوق الكعبة؛ يعني أن المحرم إذا كان الذي أصابه من خلوق الكعبة يسيرا فإنه يخير في نزعه عنه وعدمه، فهو راجع للفرع الأخير فقط، ولا يرجع للمسائل الثلاث قبله؛ لأن الباقي مما قبل إن كان لونا أو رائحة لم يتأت نزعه، وتقدم أنه لا شيء فيه؛ وفي كلام الخرشي نظر، وإن كان جرما ففيه الفدية قل أو كثر؛ إذ فيه إتلاف الطيب بعد الإحرام، وأما ما ألقته عليه الريح من الطيب، أو ألقاه عليه غيره، فإنه يجب نزع يسيره فورا، كما يجب نزع كثيرة فورا، فلا فرق
(١) الموطأ، كتاب الحج، الحديث: ٧٢٨. والبخاري، كتاب الحج، الحديث: ١٥٣٦. مسلم، كتاب الحج، الحديث: ١١٨٠.