للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وأما مع العذر فتجوز مطلقا، هذا حكمها ابتداء، وأما بعد الوقوع فقال الحطاب: فإن لم يُزِل بسببها شعراً ولم يقتل قملا فلا شيء عليه، وإن أزال بسببها شعرا فعليه الفدية. وذكر ابن بشير قولا بسقوطها، قال في التوضيح، وهو غريب، وإن قتل قملا فإن كان كثيرا فالفدية وإلا أطعم حفنة من طعام. والله سبحانه أعلم انتهى كلام الحطاب.

وقال محمد بن الحسن بعد أن تكلم على حكم الحجامة ابتداء ما نصه: وأما الفدية فتجب إن أزال شعرا أو قتل قملا كثيرا، وأما القليل ففيه الإطعام. انظر الحطاب. وسواء احتجم في ذلك لعذر أم لا، إلا أن لزوم الفدية إذا احتجم لغير عذر وأزال شعرا يقتضي المنع. انتهى. فالكراهة في هذا الأخير مشكلة. والله سبحانه أعلم. وفي كلام عبد الباقي هنا نظر. والله سبحانه أعلم.

وغمس رأس؛ يعني أنه يكره للمحرم أن يغمس رأسه في الماء خيفة قتل الدواب، فإن فعل أطعم شيئا من طعام، وبقي هذا على المصنف وهو في المدونة، وقال صاحب الطراز: إن هذا الإطعام مستحب، ولعل المصنف حمل الإطعام في المدونة على الاستحباب تبعا للطراز، فلم يذكره لأجل هذا، وحينئذ فلا يتم استدلال الرماصي بالإطعام، على أن الكراهة للتحريم إذ لا إطعام في كراهة تنزيه، وقال: الظاهر أن الإطعام واجب، وما ذكره المصنف من كراهة غمس الرأس هو ما عليه ابن القاسم، وأجازه ابن وهب، وعليه أكثر العلماء.

أشهب: وما يخاف في الغمس يخاف في صب الماء، وكان أشهب وابن وهب يتغاطسان إرادة مخالفة ابن القاسم، ومقتضى هذا أن ابن القاسم لا يقول بكراهة صب الماء على الرأس. وهو كذلك، وحكي عن مالك كراهة الغسل إلا من ضرورة، وقوله: "وغمس"، معطوف على المكروه كما قررت، "وغمس"، مصدر غمس، يقال: غمس رأسه في الماء ومقله بمعنى، وفي الحديث: (إذا وقع الذباب في طعام أحدكم فامقلوه، فإن في أحد جناحية سما وفي الآخر شفاءً، وإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء (١)): وقوله: غمس رأسه، فهم من التعليل المتقدم أن محل الكراهة فيمن له شعر، وأما من لا شعر له فلا يكره ذلك له. وقد مر أن صب الماء على الرأس جائز. نقله ابن يونس، وصاحب الطراز. وذكر ابن فرحون أنه يكره صب الماء على رأسه، وقال في التوضيح: قال ابن


(١) ابن ماجه، كتاب الطب، الحديث: ٣٥٠٤. شرح السنة للبغوي، رقم الحديث: ٢٨١٥. وأصله في صحيح البخاري.