للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مزدلفة ومنى قدر رمي حجر ليس من واحد منهما. قاله النووي والطبري. وفي خبر الصحيحين ما يدل على أنه من منى (١))، وفي نقل صاحب المطالع، وصوبه أن بعضه من منى وبعضه من مزدلفة، سمي محسرا لحسر فيل أصحاب الفيل فيه أي إعيائه، ولبعض الشافعية أن النصارى والجاهلية كانوا يقفون فيه ويتفاخرون، وتسميه أهل مكة واديَ النار لأن رجلا اصطاد فيه فنزلت نار فأحرقته، ويقال له: المهلل لتهليل الناس فيه إذا وصلوه، والمهلل مكان مرتفع عنده. قاله الشيخ إبراهيم. ومعنى كلام المصنف أنه يندب الإسراع في بطن محسر في الذهاب والرجوع، فالراكب يسرع بدابته، والماشي بخطواته. والله سبحانه أعلم. قال الحطاب: الفاكهاني: وانظر سر التحريك ببطن محسر فإني لم أقف على شيء فيه أعتمد عليه: وليس بطن محسر من منى.

(ورميه العقبة حين وصوله) يعني أن هذا الذي دفع من المزدلفة يندب له أن يرمي جمرة العقبة حين وصوله لمنى قبل حط رحله من غير تأخير؛ لأنه تحية الحرم والندب مُنْصَبّ على الظرف؛ أي أن المندوب هو الرمي حين الوصول وإلا فرمي جمرة العقبة واجب. (وإن راكبا) هو مبالغة في قوله: "حين وصوله"؛ أي يندب له رمي العقبة حين وصوله على الحالة التي هو عليها من ركوب أو مشي، وإنما بالغ بقوله: "وإن راكبا"، لدفع توهم أنها كغيرها من بقية الجمار في استحباب رميها ماشيا، وليس المراد أنه يستحب رميها في حالة الركوب، وأن رميها في غير هذه الحالة غير مستحب، ويدخل وقت رميها بطلوع الفجر، وسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى عند قول المصنف: "ورمي العقبة أول يوم" الخ، وقوله: "ورميه العقبة حين وصوله"، هذا في حق من لم يرخص له في التقدم من مزدلفة لمنى، فإن هؤلاء يدخلون منى قبل الفجر ولا يصح رميها حينئذ، فينتظر حتى يطلع الفجر واستحب بعد طلوع الشمس. قاله البدر. واعترض الشارح قول المصنف: "وإن راكبا"، بأن ظاهره أن الركوب مرجوح وهو خلاف المدونة: الشأن أن يرمي جمرة العقبة ضحوة راكبا، وإن مشى فلا شيء عليه. انتهى. وأجيب بأنه ليس مراد المدونة أن الماشي إذا وصل إلى العقبة يركب ليرميها، بل يرميها على حالته التي وصل عليها ماشيا فلا يشتغل بالركوب، بل الأفضل تركه لأن فيه عدم الاستعجال برميها. قاله عبد الباقي عن التتائي وحلولو.


(١) مسلم، كتاب الحج، الحديث: ١٢٨٢.