وعلم مما قررت أن الاستثناء راجع للمسائل الثلاث، أعني مسألة الوضوء، ومسألة الركوب، ومسألة القيام. والاستثناء شامل في الحقيقة لأربع كما قررت والله سبحانه أعلم.
وصلاته بمزدلفة العشاءين؛ يعني أنه يندب الجمع للعشاءين بالمزدلفة، فإذا غربت الشمس وهو واقف بعرفة فإنه يؤخر المغرب إلى أن يأتي المزدلفة فيجمعها مع العشاء، قال فيها: ومن دفع من عرفة حين غربت الشمس ولم يكن به علة ولا بدابته وهو يسير بسير الناس فلا يصلي المغرب والعشاء إلا بالمزدلفة، فإن صلى قبلها أعاد إذا أتاها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:(الصلاة أمامك (١))، قيل لمالك فإن أتى المزدلفة قبل الشفق؟ قال: هذا ما لا أظنه يكون، ولو كان ما أحب له أن يصلي حتى يغيب الشفق، وهكذا قال ابن حبيب وابن القاسم: إنه لا يصلي حتى يغيب الشفق، ولا يشتغل قبل الصلاة بشيء ولو عشاء خفيفا، وفي العتبية: ولا بأس أن يبدأ بحط الرحل الخفيف قبل الصلاة، وأما المحامل والزوامل فلا أرى ذلك، وليبدأ بالصلاة ثم يحط، وفي الموطأ (أنه صلى الله عليه وسلم صلى المغرب بها ثم أناخ كل إنسان بعيره في بمنزلة ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يفصل بينهما شيئا (٢))، وقوله:"وصلاته بمزدلفة العشاءين"، خلاف المذهب، والمذهب أنه سنة كما قال القائل:
والجمع للظهرين يوم الموقف … يسن كالجمع بجمع فاعرف
يعني بجمع المزدلفة، وفسرت المصنف بأن معناه أنه يجمع بين المغرب والعشاء مع أنه صادق بغير الجمع وهو غير مراد، لقوله الآتي:"وجَمَعَ وقصَّرَ"، ومحل كونه يجمع الصلاتين إذا وقف مع الإمام وسار مع الناس أو لم يسر معهم اختيارا، فإن لم يقف معه أصلا أو وقف وحده فإنه لا يجمع بالمزدلفة ولا بغيرها، ويصلي كل صلاة لوقتها كغير الحاج، وإن وقف مع الإمام وتأخر عن السير مع الناس لعجز صلاهما بعد الشفق في أي محل أراد. قاله الشبراخيتي.
واعلم أن صلاة العشاء والمغرب بالمزدلفة غير مجموعتين مخالف للسنة، فيكون مكروها كما لعبد الباقي، وفي الحطاب: والجمع بين الصلاتين بمزدلفة سنة. انتهى. وقال عبد الباقي: وتسمى
(١) مسلم، رقم الحديث: ١٢٨٠ البخاري، كتاب الوضوء، الحديث: ١٣٩. الموطأ، ج ١ ص ٢٧٣. (٢) الموطأ، ج ١ ص ٢٧٣.