للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الطواف، فإن فعل فَلْيُسِر القرَان ليلا يشغل غيره عن الذكر، وفي التوضيح: ومما يستحب أن يقول {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، اللهم إليك بسطت يدي، وفيما عندك زادت رغبتي، فاقبل مسألتي وأقلني عثرتي. وتقدم أن المشهور كراهة التلبية، قال الأجهوري. وما في التوضيح لا يخالف ما تقدم عن شارح العمدة؛ لأن مراده بقوله: لا يقرأ؛ أي غير قوله: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} الآية، أو أنه لم يذكرها على أنها قرآن. انتهى.

وأشار إلى السنة الرابعة من سنن الطواف، بقوله: ورمل رجل؛ يعني أن من أحرم من الرجال من الميقات بحج أو عمرة يسن في حقه الرمل، والرمل بالتحريك أن يثب في مشيه وثبا خفيفا يهز منكبيه، وليس بالوثب الشديد، ولا رمل على النساء في طوافهن.

واعلم أن الرمل مختص بالرجل المحرم من الميقات بحج أو عمرة، وهو سنة في طواف القدوم وطواف العمرة الركني. والله سبحانه أعلم. في الثلاثة الأول؛ يعني أن الرجل إنما يسن في حقه الرمل في الأطواف الثلاثة الأول من طواف القدوم في الحج، أو من طواف العمرة الركني فيما إذا كان الإحرام بعمرة، ولا رمل فيما بقي من الأطوفة ولو لتاركه من الثلاثة الأول، ولا يكون آتيا بالسنة إن فعل كتارك سورة في الأوليين لا يقرأها في الأخيرتين، وإن قرأ لا يجزئه عنها في الأوليين، ولا هرولة في السعي ولا دم على من ترك الرمل، ولو تركه عمدا على المشهور الذي رجع إليه مالك وهو مذهب المدونة.

والأصل في الرمل خَبَرُ أبي داوود عن ابن عباس: (قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة فقال المشركون: [إنهم يقدمون (١)] عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب وَلَقُوا منها شرا، فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك، فأمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة ولم يأمرهم بذلك في الأشواط كلها رفقا عليهم، فلما رأوهم قالوا، هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى قد وهنتهم هؤلاء أَجْلَدُ مِنَّا (٢)) فكان السبب في الرمل في حقه عليه الصلاة والسلام وحق الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين إظهار القوة للمشركين، فهو مما زال سببه وبقي حكمه، وخَبَرُ المُوَطَإِ عن جابر: (رأيت رسول الله صلى الله


(١) كذا في الأصل والذي في أبى داود ج ٢ ص ١٧٨ ط دار إحياء السنة النبوية "إنه يقدم".
(٢) أبو داود، كتاب المناسك، الحديث: ١٨٨٦. ولفظه: وأمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين. . . . هؤلاء أجلد منا قد ابن عباس ولم يأمر هم أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم.