للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يحضر الحاج جزءا من جبال عرفة، والمراد بحضوره مطلق الطمأنينة، والكون بها سواء كان واقفا أو جالسا أو مضطجعا، وكيف ما تصور ذلك أجزأ، فلذلك عبر المصنف بالحضور، وإنما كثر استعمالهم الوقوف لأنه الأفضل في حق أكثر الناس، ولما لم يكن لموضع من عرفة فضل إذا وقف مع الناس -كما قال إمامنا مالك- عبر المصنف بما يشمل جميعها، فقال: "جزء عرفة"، وإضافة الحضور للجزء على معنى: في. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: بمعنى اللام، فالمراد بالحضور الكون في جزء أي جزء من عرفة، لخبر: (عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرفة (١))، والأفضل (محل وقوفه عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح (٢))؛ وهو عند الصخرات الكبار المفروشة في أسفل جبل الرحمة؛ وهو وسط عرفة، قال الشبراخيتي: لولا جعل الإضافة على معنى في لَوَرَدَ على المصنف إشكال وهو أن الحضور ضد الغيبة فمعناه المشاهدة، وهذا لا يصح شموله لما إذا كان واقفا في الهواء غير ملاصق للأرض أو ما اتصل بها أو شاهد عرفة وهو في الحرم وذلك لا يجزئ، وفي الشبراخيتي قال حجة الإسلام: يقال إن الله تعالى إذا غفر ذنبا لعبد في الموقف، غفر ذلك الذنب لكل من أصابه في ذلك الموقف وأخرج زروق في تجريد الصحاح عنه صلى الله عليه وسلم: (أفضل الأيام يوم عرفة، فإن وافق يوم الجمعة فهو أفضل من سبعين في غير يوم الجمعة (٣) وفي قوت القلوب لأبي طالب عن بعض السلف: إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة غفر لكل أهل الموقف، ويوم الجمعة أفضل أيام الدنيا. (وصح أنه صلى الله عليه وسلم وقف به عام حجة الوداع (٤)).

فالحاصل أن لوقفة الجمعة مزية على غيرها بخمسة أوجه: من تفضيل الحج فيه بسبعين حجة في غيره، والمغفرة فيه لكل أهل الموقف خصوصا، ولأنه أفضل أيام الأسبوع، وللساعة التي فيه وموافقة حجة المصطفى صلى الله عليه وسلم، قال ابن جماعة: ومن حيث سقوط الفرض لا مزية.

وسميت عرفة لأن آدم عرف حواء بها، فإن الله سبحانه أهبط آدم بالهند وحواء بجُدة فتعارفا في الموقف، أو لأن جبريل عليه السلام عرَّف إبراهيم المناسك بها، أو لأن الناس يعترفون فيها


(١) مسلم، كتاب الحج، رقم الحديث: ١٢١٨.
(٢) مسلم، كتاب الحج، رقم الحديث: ١٢١٨.
(٣) الإتحاف، ج ٤ ص ٢٧٤.
(٤) البخاري، كتاب الأيمان، الحديث: ٤٥. مسلم، كتاب التفسير، الحديث: ٣٠١٧.