عدم الوجوب، وإنما قال:{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} لأن المشركين كانوا في ذلك الزمان يضعون على الصفا صنما يسمى إسافا وعلى المروة صنما يسمى نائلة ويسعون بينهما، فلما جاء الإسلام شق السعي على الصحابة لشبه ذلك بالمشركين فنزلت الآية، وعلى المعروف من المذهب الذي مشى عليه المصنف مَن تَرَك السعي بين الصفا والمروة أو شوطا منه أو ذراعا من حج أو عمرة صحيحتين أو فاسدتين رجع له من بلده، وروي عن مالك أنه يهدي إذا تباعد وطال وأصاب النساء ويجزئه، فعلى هذه الرواية هو واجب ينجبر بالدم فهو غير ركن كما فهمه صاحب الطراز. منه لبدء، مبتدأ مؤخر وخبر مقدم، والضمير المجرور بمن عائد على الصفا وهذا وما بعده بيان لصفة السعي؛ يعني أن السعي المذكور يبتدأ من الصفاء فيقف على الصفا ويذهب نحو المروة فيقف عليها.
واعلم أن الواجب بلوغهما من غير تحديد، والوقوف عليهما مندوب، ويصح أن يكون الجار والمجرور في موضع الحال؛ أي حال كون السعي مبتدءا من الصفا، "والبدء" مبتدأ، وخبره: مرة. على أن "منه" حال، وعلى أن "منه"، خبر يكون قوله:"مرة"، منصوبا. قال بعضهم: إن نصبها هنا على الحال، وهو مخالف لما قاله ابن الحاجب: من أن مرة وجميع أخواتها من: طورا وفورا وذاتَ مرة، منصوبة على المفعولية المطلقة. نقله الخرشي. والله سبحانه أعلم. والوجهان في قوله: والعود أخرى، فيكون "أخرى" خبر "العود"؛ أو خبره محذوف تقديره منه، ومعنى كلام المصنف أنه يشترط في السعي أن يكون بين الصفا والمروة، وأن يكون مبتدءا من الصفا منتهيا إلى المروة، وأن يعود من المروة إلى الصفا، فلا يزال كذلك حتى يكمل سبعة أشواط، فلذلك يقف على الصفا أربع وقفات، ويقف على المروة أربع وقفات، وبين المصنف المراد بالبينية بقوله:"منه البدء مرة والعود أخرى"؛ لأن البينية تصدق على وسط الشيء وليس ذلك بمراد هنا، وقد علمت أن من شروطه البدء من الصفا، فإن بدأ من المروة لم يعتد بذلك الشوط الأول، فإن اعتد به فهو كمن ترك شوطا من سعيه. قاله غير واحد. وعبارة الشبراخيتي: فإن بدأ من المروة لم يحتسب به وأعاد، فإن لم يعد بطل سعيه. انتهى. فقوله:"منه البدء مرة والعود أخرى"، أفاد به حكمين أحدهما أن الابتداء من الصفات ثانيهما أن الابتداء المذكور شوط والعود شوط آخر.