للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولما أنهى الكلام على الركنين الأولين من أركان الحج والعمرة وهما الإحرام والطواف، شرع يتكلم على الركن الثالث، فقال: ثم السعي؛ عطف على الإحرام من قوله: "وركنهما الإحرام"؛ يعني أن السعي ركن من أركان الحج والعمرة، وجعلت قوله: "ثم السعي"، عطفا على الإحرام تبعا للحطاب، وجعله عبد الباقي معطوفا على الطواف من قوله: "ثم الطواف لهما"، قال: ولم نجعله معطوفا على الإحرام، وإن كانت المعطوفات إذا تعددت إثما تكون على الأول على الصحيح لتخصيص بعضهم ذلك بمعطوف غير الفاء وثم. انتهى. سبعا، مفعول مطلق نصب بالمصدر قبله؛ يعني أن السعي بين الصفا والمروة سبع مرات ركن من أركان الحج والعمرة، وبيّن محل السعي بقوله: بين الصفا والمروة؛ يعني أن السعي الذي هو ركن إنما هو بين الصفا والمروة، والسعي هو آخر أركان العمرة، فأركانها الثلاثة التي هذا آخرها، وبقي للحج ركن رابع وهو الوقوف بعرفة، ذكره المصنف فيما يأتي.

قال المصنف في التوضيح: اعلم أن العمرة إحرام وطواف وسعي وحلق، والثلاثة الأول أركان والرابع ينجبر بالدم، وقوله: "الصفا والمروة"، الصفا هو الجبل المعروف وهو في الأصل جمع صفاة، وكان عليه صنم يسمى إسافا؛ اسم لرجل فجر بامرأة في الكعبة تسمى نائلة، وقيل قبلها فمسخا حجرين فعبدتهما قريش وجُعِلَا على الجبلين، والمروة في الأصل واحد المرو وهي حجارة صغار ليس فيها لينٌ، وقوله: "بين الصفا والمروة"، فلو سعى في غير هذا المحل بأن دار من سوق الليل ونزل من الصفا ودخل من المسجد لم يصح سعيه، وما ذكره المصنف من ركنية السعي هو المعروف من المذهب، لقوله عليه الصلاة والسلام: (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي (١) وقوله: (خذوا عني مناسككم (٢) فإن قلت قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} إلى قوله عز وجل: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} يدل على عدم الوجوب؛ إذ لا يقال في الواجب لا جناح على من فعله؟ فالجواب أنا لا نسلم ذلك؛ لأنه إنما نفى الحرج عن الفعل، ونفي الحرج عن الفعل يدل على الجواز، وهُوَ لا ينافي الوُجُوبَ بَلْ هُوَ مِنْ لَوَازِمَه، ولو نفى الحرج عن الترك لدل على


(١) المستدرك، ج ٤ ص ٧٣. مسند أحمد، ج ٦ ص ٤٢٢.
(٢) الإتحاف، ج ٤ ص ٤٣٧.