واعلم أن الطواف ليس كالسعي؛ لأن الطهارة ليست شرطا في صحة السعي، وإنما هي مستحبة فيه، ولم يقل أحد بأن من أحدث في أثناء السعي يبتدئ، فلوأتم سعيه وهو محدث أجزأه. قاله الحطاب. والله سبحانه أعلم.
وجعل البيت عن يساره، قوله:"وجعل" بالجر عطف على"الطهرين"؛ يعني أنه يشترط في صحة الطواف أن يجعل البيت في دورانه عن يساره، فلو طاف وجعل البيت عن يمينه، أو طاف ووجهه إلى البيت أو ظهره لم يجزه طوافه، وهو كمن لم يطف فيرجع لذلك من بلده، وهذا مذهب مالك والشافعي وابن حنبل؛ (لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف كذلك، وقال: خذوا عني مناسككم (١))، وقال أبو حنيفة: إن ذلك سنة، فإن تركه صح طوافه ويعيد ما دام بمكة، فإن خرج إلى بلده لزمه دم، ولو جعل البيت عن يساره ولكنه طاف منكوسا فرجع القهقرى من الحجر الأسود إلى جهة الركن اليماني، فالظاهر أنه لا يجزئه، وكلام صاحب الطراز وغيره يدل على ذلك. قاله الحطاب.
وحكمة جعل البيت على اليسار ليكون قلب الطائف إلى جهة البيت، وفي الذخيرة أن جنبي باب البيت نسبتهما إليه كنسبة يمين الإنسان ويساره إليه، فالحجر موضع اليمين لأنه يقابل يسار الإنسان، وباب البيت وجهه، ولو جعل البيت عن يمينه لأعرض عن باب البيت الذي هو وجهه، ولو جعله عن يساره أقبل على الباب ولا يليق بالأدب الإعراض عن وجوه الأماثل، وتعظيم بيت الله تعالى تعظيم له. قاله الحطاب. وقوله:"وجعل البيت عن يساره"؛ ينبغي أن يقيد بما إذا مشى على رجليه، فلو مشى على يديه غير منكوس فالظاهر أنه لا يجزئه، وكذا لو مشى على يديه ورجليه أو زحف على بطنه ونحو ذلك، وظاهر كلام المصنف أن جعل البيت عن اليسار شرط مطلقا ذكرا (٢) أم لا، وكذا قوله:"وخروج كل البدن عن الشاذروان"، وقياس ما للقرافي أن يكون محراب المسجد وجهه، وغربيه يساره، وشرقيه يمينه، ويسار المسجد يقل فيه الناس فهوأبعدمن الرياء وأقرب إلى الإخلاص. وفي الحديث:(من أحيا يسار المسجد فله أجران (٣))،
(١) التمهيد، موسوعة شروح الموطأ، ج ٩ ص ١١٩. (٢) كذا في الأصل. (٣) مجمع الزوائد، ج ٢ ص ٩٧. الكنز، رقم الحديث: ٢٠٥٩٠.