والحاصل أن كل من مر بميقات ليس له فعليه أن يحرم منه إذا لم يكن ميقاته بين يدي هذا الذي مر به، ومن تعداه كان عليه الدم فهو أولى؛ يعني أن المصري ومن في حكمه إذا مروا بذي الحليفة فإنه لا يجب عليهم الإحرام منه، لكون ميقاتهم أمامهم يريدون أن يمروا به أو يحاذوه، ولكن الأولى لهم أن يحرموا من ذي الحليفة، وأما إن كانوا لا يريدون المرور بالجحفة ولا محاذاتها وهم مع ذلك يريدون الإحرام، فإنه يجب عليهم أن يحرموا من ذي الحليفة. والله أعلم. وقوله:"فهو"؛ أي إحرامه من ذي الحليفة "أولى"؛ أي أفضل من تأخيره إلى الجحفة.
وإن لحيض رجى رفعه، مبالغة في قوله:"فهو أولى"؛ يعني أن إحرام الحائض والنفساء من أهل مصر ونحوهم من ذي الحليفة إذا مرتا به أولى من تأخيرهما الإحرام إلى الجحفة وإن كانتا ترجوان بالتأخير إلى الجحفة أن تطهرا فتغتسلا وتصليا للإحرام، فقوله:"لحيض"؛ أي لذات حيض، وإنما كان إحرام كالحائض من ذي الحليفة أفضل لأنها تقيم في العبادة أياما قبل أن تصل إلى الجحفة، فلا يفي ركوعها بفضل تقدم إحرامها من ميقاته عليه الصلاة والسلام، قال مالك: تغتسل ولا تؤخر لانتظار الطهر، وإذا كانت الحائض والنفساء ممن يجب عليه الإحرام من ذي الحليفة فإنه لا يرخص لهما في تأخير الإحرام إلى الجحفة رجاء أن تطهرا، والمستحب لمن أحرم من ذي الحليفة غير الحائض أن يصلي في مسجده، ثم يركب ثم يهل، والحائض من فناء مسجده، وذلك أن مسجد ذي الحليفة موضع يقصد لركوع الإحرام اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأما من أحرم من سائر المواقيت فالأفضل أولها، واختلف في المدني المريض هل يرخص له في تأخير الإحرام إلى الجحفة أو لا؟ على قولين لمالك في الموازية، الأول شهره ابن بزيزة، والثاني رجحه اللخمي وصاحب الطراز وابن عبد السلام. والله أعلم. وكلام اللخمي هو قوله: والأقيس مخاطبته بالإحرام من ميقاته، فإن احتاج إلى شيء من محيط أو تغطية الرأس فعل وافتدى، ولو كان المدني غير مريض وأخر الإحرام إلى الجحفة ففي وجوب الدم وسقوطه قولان: الوجوب لمالك، واختلف أصحابه في الوجوب والسقوط. ابن عبد البر: اختلف في مريد الحج أو العمرة يجاوز ميقاته إلى ميقات أقرب منه، مثل أن يترك المدني الإحرام من ذي الحليفة ويحرم من الجحفة، قال مالك: عليه دم، ومن أصحابه من أوجب الدم فيه، ومنهم من أسقطه،