ومن فضائل الجعرانة ما نقل بعضهم أنه اعتمر منها ثلاث مائة نبي، وفيها ماء شديد العذوبة، يقال:(فحص النبي صلى الله عليه وسلم موضعه بيده المباركة فانبجس فشرب منه وسقى الناس))، ويقال:(غرز فيه رمحه فنبع). قاله الشيخ إبراهيم. ثم التنعيم؛ يعني أنه يلي الجعرانة في الفضل التنعيم؛ (لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها أن تعتمر منه)، ويعرف بمساجد عائشة، قال الإمام الحطاب: قوله هنا: "ثم التنعيم"، أحسن من قوله في مناسكه: أو التنعيم؛ لأنه لا يقتضي تفضيل الجعرانة على التنعيم، وقد وقع التصريح بأفضليتها في كلام النوادر. انتهى. واعترضه الرماصي بأن ما في المناسك هو الذي عليه الأكثر كما في الشارح، وقد سوى بينهما ابن شأس وابن الحاجب وابن عرفة وغيرهم، قاله محمد بن الحسن. وقوله:"والجعرانة"، أولى ثم التنعيم، قال عبد الباقي: هذان راجعان للعمرة: وأما القران فلا يطلب فيه مكان معين من الحل على سبيل الأولى. انتهى. وقوله:"ثم التنعيم"، سمي بذلك لأن على يمينه جبل نعيم، وعلى يساره جبل ناعم واسم الوادي نعمان، قال الشبراخيتي: وكان تاليا للجعرانة في الفضلية (لأمره صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما أن يخرج بأخته عائشة رضي الله تعالى عنها إليه في حجة الوداع (١)). انتهى. وسبب ذلك أنها حاضت بعد أن أحرمت بالعمرة وقبل أن تطوف وتسعى للعمرة، وأدركهم وقت الوقوف قبل أن تطهر فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تردف الحج على العمرة، فلما قضت الحج، قالت: يرجع الناس بنسكين وَأَرْجِعُ أنا بنسك واحد، فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم.
واعلم أن بين الجعرانة ومكة ثمانية عشر ميلا، وظاهر كلام أهل المذهب أن الجهات بعد الجعرانة والتنعيم متساوية، وزاد الشافعي رحمه الله تعالى بعد التنعيم الحديبية؛ (لأن النبي صلى الله عليه وسلم تحلل فيها (٢)) وهي بضم الحاء وفتح الدال المهملتين، ويجوز في يائها الثانية
(١) البخاري، كتاب العمرة، باب عمرة التنعيم، الحديث: ١٧٨٤. (٢) البخاري، كتاب الشروط، الحديث ٢٧٣١.