عليه، فإذا لم يواس الرجل في سنة المجاعة بالقدر الذي يجب عليه من المواساة فقد أثم وقدر ذلك لا يعلمه حقيقة، فالتوقي من الإثم بالإكثار من الصدقة أولى من التطوع بالحج الذي لا يأثم بتركه، وإنما قال: إن الصدقة أفضل من العتق لما جاء في الحديث الصحيح: (أن ميمونة بنت الحارث رضي الله تعالى عنها أعتقت وليدة لها ولم تستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه، قالت: أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي. قال: أو فعلت؟ قالت: نعم، قال: أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك (١)). وهذا نص من النبي صلى الله عليه وسلم يدفع مؤنة الاستدلال بالظواهر. وبالله التوفيق. انتهى. قاله الحطاب.
وفيه بعد جلب نقول: والحاصل أن من لم توجد في حقه الاستطاعة فاشتغاله بالجهاد أولى، وخروجه للحج مكروه بل ممنوع، ومن وجدت في حقه الاستطاعة فإن وجب الجهاد على الأعيان قدم على حج الفرض، وقول ابن رشد: هو أفضل من حج الفرض يريد به -والله أعلم- أنه المتعين الذي لا يجب سواه -وإن لم يجب الجهاد على الأعيان فلا يخلو الشخص إما أن يكون قد حج أولا، فمن حج فلا يخلو إما أن يكون سنة خوف أولا، فإن كانت سنة خوف فالجهاد أولى اتفاقا، وإن لم تكن سنة خوف فالحج أولى على المشهور، والجهاد أولى على رواية ابن وهب، وفتوى ابن رشد هذي والله أعلم في حق غير المتعين للجهاد؛ لأن أولائك الجهاد فرض عليهم فهو المتعين عليهم، وأما من لم يحج فلا يخلو إما أن تكون سنة خوف أولا، فإن لم تكن سنة خوف فعلى المشهور لا إشكال في تقديم حج الفريضة وجوبا على الفور، وندبا على التراخي سواء كان من القائمين بالجهاد أم لا. وأما على رواية ابن وهب فإن قلنا بالفور قدم الحج مطلقا، وإن قلنا بالتراخي قدم الجهاد ندبا إن كان من غير القائمين بالجهاد ووجوبا إن كان منهم إلا من بلغ المعترك؛ أي ستين سنة فيتعين عليه الحج، وإن كان سنة خوف فصرح في الرواية بتقديم الجهاد على الحج، لكن حمله ابن رشد على حج التطوع، ومفهومه أن الفرض بخلاف ذلك وكلامه في الأجوبة يقدم الجهاد على التراخي؛ لأن تطوع الجهاد يقدم عليه، وإذا قلنا يقدم على