للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الحج على الغزو إنما هو مع عدم الخوف، وأما مع الخوف من العدو فليس الحج بأفضل من الغزو وهذا التفضيل على حقيقته، وفي كلام عبد الباقي نظر، وهذا الذي ذكرته في كلام المصنف هو حله على سبيل الإجمال.

وأما على سبيل التفصيل فاعلم أن المسألة على أربعة أوجه: حج التطوع مع الغزو في غير خوف، وحج الفرض مع الغزو في غير خوف أيضا، ففي الأولى يقدم الحج ندبا على الغزو، وفي الثانية يقدم ندبا على التراخي ووجوبا على الفور، وحج التطوع مع الغزو في سنة الخوف، وحج الفرض مع الغزو في سنة الخوف، وفي الأولى من هاتين الأخيرتين يقدم الغزو، وفي الثانية منهما يقدم الغزو على التراخي وعلى الفور ينظر إلى كثرة الخوف وقلته، وما ذكرته في الثلاث الأول مأخوذ من كلام ابن رشد، وأما ما ذكرته في الرابعة، فقال الحطاب: هذا ما ظهر لي ولم أر فيها نصا.

واعلم أنه إذا تعين القتال لفجئ العدو فلا شك في تقديمه قولا واحدا، ومن كلام عبد الباقي: وأما مع الخوف فيقدم الغزو على الحج التطوع، وكذا على الفرض على القول بالتراخي حيث لم يخف الفوات. وكذا لو خيف أو قيل بفوريته حيث كثر الخوف من العدو أو فجأ أو عين الإمام، ويفضل حج تطوع على صدقة تطوع في غير مجاعة، والصدقة أفضل من العتق إن كانت تساويه قدرا وإلا فهو أفضل منها. انتهى. وإنما كان حجُّ التطوع لمن قد حج الفريضة أفضل من الغزو مع عدم الخوف: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة (١))، وأما الغزو مع الخوف فلا شك أنه أفضل من الحج التطوع. والله أعلم. لأن الغازي مع الخوف قَدْ بَاعَ نفسه من الله عز وجل فاستوجب به الجنة والبشرى من الله تعالى بالفوز العظيم، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ}. الآية. قاله الحطاب.

وفي العتبية: سئل مالك كن الحج والغزو أيهما أحب إليك، قال: الحج إلا أن تكون سنة خوف، قيل: فالحج والصدقة؟ قال: الحج، إلا أن تكون سنة مجاعة، قيل له: فالصدقة والعتق؟ قال: الصدقة. ابن رشد: لأنه إذا كانت سنة مجاعة كانت المواساة بالصدقة واجبة


(١) البخاري، كتاب الهبة وفضلها، الحديث: ١٧٧٣. مسلم، كتاب الحج، الحديث: ١٣٤٩.