للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وإن اختلف القصدان فإن كان باعث الدين مساويا لباعث النفس تَقَاوَمَا وَتَسَاقَطَا وصار العمل لا له ولا عليه، وإن كان الباعث النفسي أقوى وأغلب فليس العمل بنافع نعم أخف من العمل المتجرد لحظ الدنيا، وإن كان الباعث الديني أقوى فله ثواب بقدر ما فضل عن قوة الباعث الدنيوي، لقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) ولقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}، وليس من خرج للتجارة والحج من أمثلة هذه المسألة؛ لأنه إذا سلم من قصد الرياء فإنما يحمله على الإحرام ومباشرة المناسكَ الباعث الديني، ولو كان كل من أحرم بالحج يعطى ما لا أمكن أن يكون من ذلك، وقال بعد هذا: ويبعد أن يقال من كان داعيته الدينية تزعجه إلى الغزو، وإن لم تكن غنيمة وقدر على غزو طائفتين من الكفار إحداهما غنية والأخرى فقيرة، فمال إلى جهة الأغنياء لإعلاء كلمة الله تعالى وللغنيمة أنه لا ثواب له على غزوة البتة -ونعوذ بالله تعالى أن يكون الأمر كذلك- فإن هذا حرج في الدين ومدخل لليأس على المسلمين؛ لأن أمثال هذه الشوائب النافعة لا ينفك الإنسان عنها إلا على الندور، فيكون تأثير هذا في نقصان الثواب، وأما أن يكون في إحباطه فلا. نعم الإنسان فيه على خطر عظيم؛ لأنه ربما يظن أن الباعث الأقوى هو قصد التقرب ويكون الأغلب على سره الحظ النفسي وذلك مما يخفى غاية الخفاء. انتهى. والله أعلم.

ونقل عن القرافي ما يخالف ما مر، وأن من صام مثلا ليصح جسده أو يحصل له زوال مرض من الأمراض التي ينافيها الصوم، ويكون التداوي هو مقصوده أو بعض مقصوده والصوم مقصود مع ذلك لا يقدح في صومه، بل أمره صاحب الشرع بها في قوله: (يا معشر الشباب من استطاع منك الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (١)) فأمر صلى الله عليه وسلم بالصوم لهذا الغرض، ولو كان قادحا لم يأمر به صلى الله عليه وسلم.

وحاصل ما للقرافي أن الرياء المحبط على قسمين: أحدهما: أن يعمل العمل المأمور به والمتقرب به إلى الله تعالى ويقصد به وجه الله تعالى، وأن يعظمه الناس أو بعضهم فيميل إليه نفعهم أو يندفع عنه ضررهم به. القسم الآخر: أن يعمل العمل لا يريد به وجه الله تعالى البتة بل الناس فقط،


(١) البخاري، كتاب النكاح، الحديث: ٥٠٦٦. مسلم، كتاب النكاح، الحديث: ١٤٠٠.