النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: بم عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، فقال: كذبت ولكنك تعلمت العلم وقرأت القرآن ليقال فلان قارئ فقد قيل: ثم أمر به فيسحب علي وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسَّع الله عليه وأعطاه الله من أصناف المال كله فأتي به فَعَرَّفهُ نعمه فَعَرَفَهَا، فقال: بم عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فيسحب على وجهه حتى ألقي في النار (١)). انتهى. وهذا إذا كان الباعث على تلك العبادة الغرض الدنيوي وحده بحيث لو فقد ذلك الغرض لترك العمل، فأما لو انبعث للعبادة بمجموع الباعثين باعث الدين وباعث الدنيا لكن باعث الدنيا أقوى أو مساو لحق بالقسم الأول في الحكم بإبطال العبادة عند أيمة هذا الشأن، وعليه يدل قوله عليه الصلاة والسلام حكاية عن الله تعالى:(من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشريكه (٢))، فأما لو كان باعث الدين أقوى فقد حكم المحاسبي بإبطال ذلك العمل متمسكا بالحديث المتقدم، وخالفه الجمهور وقالوا بصحة العمل وهو المفهوم من فروع مالك رضي الله تعالى عنه، ويستدل على هذا بقوله عليه الصلاة والسلام:(إن من خير معاش الناس لهم رجلا ممسكا فرسه في سبيل الله (٣))، فجعل الجهاد مما يصح أن يتخذ للمعاش، ومن ضرورة ذلك أن يكون مقصودا، لكن لما كان باعث الدين الأقوى كان ذلك الغرض ملغى فيكون معفوا عنه، كما إذا توضأ قاصدا رفع الحدث والتبرد، فأما لو انفرد باعث الدين بالعمل ثم عرض باعث الدنيا في أثناء العمل فالأولى الصحة. انتهى. نقله الحطاب عن القرطبي وغيره.
الثالث: نقل الإمام الحطاب عن حجة الإسلام أبي حامد الغزالي ما ملخصه: أن العمل إذا كان خالصا لله تعالى فهو سبب الثواب، وإن كان خالصا للرياء أو لحظ النفس فهو سبب للعقاب؛ لأن طلب الدنيا مباح ولكن طلبها بأعمال الدين حرام لا فيه من الرياء وتغيير العبادة عن وضعها،
(١) مسلم، كتاب الإمارة، الحديث: ١٩٠٥. (٢) الإتحاف، ج ٨ ص ٢٦٣. (٣) مسلم، كتاب الإمارة، الحديث: ١٨٨٩. ولفظه: من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه. الخ.