للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

والمقصود غيره، فليصحح مع نفسه العزم وتصحيحه بإخلاصه، وإخلاصه باجتناب كل ما فيه رياء أو سمعة، وليحذر أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.

الثاني: قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ}، الآية: فيها دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا ولا يخرج به المكلف عن الإخلاص المفترض عليه، خلافا للفراء، أما الحج دون تجارة فهو أفضل لعروه عن شوائب الدنيا وتعلق القلب بغيرها، وقال يحيى النووي وغيره من العلماء: يستحب لمريد الحج أن تكون يده فارغة من مال التجارة ذاهبا وراجعا لأن ذلك يشغل القلب، قال: فإن اتجر لم يؤثر ذلك في صحة حجه. انتهى. قال الشيخ ابن المعلى عقبه: إطلاق الشيخ استحبابه ترك التجارة في سفر الحج وتعليله بشغل القلب ينبغي أن يكون مقيدا بكونه من حين إحرامه إلى آخر حجه؛ لأن الاشتغال بها حينئذ مبدد للخاطر وصارف عن المطلوب من الإقبال بالظاهر والباطن، وأما في ابتداء السفر فلا وجه لاستحباب تركه؛ إذ ليس له ما تشغله التجارة عنه، وقد يكون ذلك سببا لكساد سلعته في الموضع الذي يقصده، فيمتنع بسبب ذلك من المبادرة إلى الحج وهذا يقع كثيرا، وقد اعترض على يحيى النووي في قوله راجعا. قاله الحطاب. واعلم أن الإخلاص شرط في الحج والجهاد وجميع العبادات، لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}، والإخلاص مصدر أخلصت العسل إذا صفيته من شوائب كدره، فالمخلص في عبادته هو الذي يخلصها من شوائب الشرك والرياء، وذلك لا يتأتى إلا أن يكون الباعث له على عملها قصد التقرب إلى الله تعالى وابتغاء ما عنده، فأما إن كان الباعث عليها غير ذلك من أغراض الدنيا فلا تكون عبادة بل تكون معصية موبقة لصاحبها، فإما كفر وهو الشرك الأكبر وإما رياء وهو الشرك الأصغر ومصير صاحبه إلى النار، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الثلاثة المذكورين فيه، فعنه رضي الله تعالى عنه: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد في سبيل الله فأتي به فَعَرَّفَهُ الله تعالى نعمه فَعَرَفَهَا، فقال: بم عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكن قاتلت ليقال فلان جريء فقد قيل، ثم أمر به فيسحب على وجهه حتى ألقي في