للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يقدر فليجتهد يوم عرفة ليلا يكون قيامه بين يدي الله تعالى، ودعاؤه في وقتٍ مَّطعَمُه فيه حرامٌ وملبسه حرام، فإنا وإن جَوَّزْنَا هذا للحاجة فهو نوع ضرورة فإن لم يقدر فيلزم قلبه الخوف والغم والحزن لما هو مضطر إليه من تناول ما ليس بطيب، فعساه ينظر إليه بعين الرحمة ويتجاوز عنه بسبب خوفه وحزنه وكراهيته، وإذا عجز عن المال الحلال السالم من الشبهة والحرام، فقد قال صاحب المدخل: فليقترض مالا حلالا ليحج به، فإن الله تعالى لا يقبل إلا طيبا. انتهى.

وفي منسك ابن جماعة الكبير: وإن اقترض الحاج مالا حلالا في ذمته وله وفاء به ورضي المقترض فلا بأس به. انتهى. فهذا لا بد منه -أعني رضا المقترض- ومع ذلك فهو ورع في حجه غير ورع في قضاء دينه، كمن يقترض مالا لينفقه ويقضيه من مال فيه شبهة.

تنبيه: حاصل ما فسر به العلماء الشبهة أربعة أشياء: أحدها تعارض الأدلة، ثانيها اختلاف العلماء وهو منتزع من الأول، ثالثها المكروه، رابعها المباح. ولا يمكن حمله على متساوي الطرفين، بل يمكن حمله على خلاف الأولى، ولا يبعد أن يكون كل من الأوجه مرادا. انظر ابن حجر.

تنبيهات: الأول: كما طلب أن يكون المال الذي يحج به خالصا من الحرام والشبهة، يطلب منه إخلاص النية لله تعالى بل هذا أعم، فلا يخرج ليقال إنه حاج أو ليعظم أو ليعطى فإن هذا كله رياء والرياء حرام بالإجماع، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا جمع الله الناس ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك (١))، وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قال الله تعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه (٢)). انتهى. وفي الإحياء: وليجعل عزمه لله تعالى بعيدا عن شوائب الرياء والسمعة، وليحقق أنه لا يقبل من قصده وعمله إلا الخالص، فإن من أفحش الفواحش أن تقصد بيت الملك وحرمه


(١) الترمذي، كتاب تفسير القرآن، الحديث ٣١٥٤
(٢) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، الحديث: ٢٩٨٥.