للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وركوب بحر؛ يعني أن المرأة تساوي الرجل فما يجب عليه في شأن الحج يجب عليها وما لا فلا، إلا في بعيد مشي فإنه لا يجب عليها أن تحج ماشية من المكان البعيد وإن قويت عليه كما عرفت، وإلا في ركوب البحر فإنه يجب عليه أن يركب البحر حيث تعين ركوبه طريقا للحج على ما مر في قوله: "والبحر كالبر إلا أن يغلب" الخ، وأما المرأة فإنه لا يجب عليها أن تركب البحر، بل يكره لها ركوب البحر نص عليه الإمام مالك رضي الله تعالى عنه، وإنما لم يحرم على المرأة المشي في البعيد لأنا لم نتحقق فيه انكشاف العورة، لكن الغالب عليهن العجز والضعف، فيئول بها الحال إلى التعب المؤدي إلى انكشاف العورة. والله أعلم. قاله الحطاب.

(إلا أن تختص بمكان) مستثنى من قوله: "وركوب بحر"؛ يعني أن المرأة إذا كانت تخص بمكان عند ركوبها للبحر، فإنه يجب عليها الحج فتركبه وتخص بمكان في السفينة عن الرجال، ومثل اختصاصها بمكان في السفينة اتساع المكان بحيث لا تخالط الرجال عند حاجة الإنسان، وما ذكره المصنف من عدم لزوم المشي لها من المكان البعيد هو المنصوص لمالك في الموازية، والقول بلزوم المشي لها ولو كان المكان بعيدا خرجه اللخمي من قول مالك في المدونة في الحانث والحانثة، والمشي على الرجال والنساء سواء، قال في تبصرته: لأن الوفاء بحجة الفريضة آكد من النذر، وفرق في التوضيح بينهما بأنها لو كلفت بالمشي في الحج لزم منه عموم الفتنة والحرج بخلاف النذر فإنها صورة نادرة وقد ألزمت نفسها ذلك، ألا ترى أن الإنسان إذا لم يكن عنده إلا قوت يوم الفطر لا يلزمه إخراجه في زكاة الفطر؟ ولو نذر إخراجه لزمه، وظاهر المصنف أنه لا يلزمها المشي من المكان البعيد ولو كانت متجالة وهو كذلك، وقال اللخمي بعد أن ذكر كلام مالك في كتاب محمد: وهذا يحسن في الرائعة والجسيمة ومن ينظر لمثلها عند مشيها، وأما المتجالة ومن لا يؤبه بها من النساء فيجب عليها كالرجل، فيكون قوله هذا ثالثا. قاله الحطاب.

وعلم مما مر أنهما في نذر المشي سواء في اللزوم، وما تقدم من كراهة ركوبهن البحر هو قول مالك المنصوص له في الموازية والمجموعة والعتبية، وقوله: "إلا أن تخص بمكان"، قد وردت السنة بجواز ركوب النساء في البحر في حديث أم حرام (١))، فركوب النساء البحر جائز إذا كانت في سرير


(١) البخاري، كتاب الجهاد، الحديث: ٢٧٨٨. ومسلم، كتاب الإمارة، الحديث: ١٩١٢.