للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

راتب وأقيمت الصلاة فيه، ثم جاء آخرون وأرادوا إقامة تلك الصلاة جماعة فهذا موضع الخلاف، فأما حضور جماعتين أو أكثر في مسجد واحد ثم تقام الصلاة، فيتقدم الإمام الراتب فيصلي وأولئك عكوف من غير ضرورة تدعوهم لذلك، تاركون إقامة الصلاة مع الإمام متشاغلون بالنوافل أو بالحديث حتى تنقضي صلاة الأول، ثم يقوم الذي يليه، وتبقى الجماعة الأخرى على نحو ما ذكرنا فالأئمة مجتمعون على أن هذه الصلاة لا تجوز. قال الرماصي بعد هذا: فقد ظهر أن المسألة المتنازع فيها ليست هي مسألة المصنف، وقال الإمام الحطاب بعد جلب كلام المجيزين والمانعين وما قاله هؤلاء الأئمة يعني المانعين، ظاهر لا شك فيه؛ إذ لا يشك عاقل في أن هذا الفعل المذكور مناقض لمقصود الشارع من مشروعية صلاة الجماعة، وهو اجتماع المسلمين، وأن تعود بركة بعضهم على بعض، ولا يؤدي ذلك إلى تفريق الكلمة، ولم يسمح الشارع بتفريق الجماعة بإمامين عند الضرورة الشديدة؛ وهي حضور القتال مع عدو الدين، بل أمر بقسم الجماعة وصلاتهم بإمام واحد. وقد أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بهدم مسجد الضرار لما اتخذ لتفريق الجماعة، ولقد أخبرني والدي رحمه الله عن بعض شيوخه أنه كان يقول: فعل هؤلاء الأئمة في تفريق الجماعة يشبه فعل مسجد أهل الضرار. انتهى المراد منه. وقوله: "وإعادة جماعة بعد الراتب"، وكذا قبله، كما مر. والظاهر حصول فضل الجماعة للمصلي بعد الراتب وقبله، كما قالوا في الصلاة في الدار المغصوبة يثاب عليها من جهة، ويأثم من جهة. وكما قاله ابن رشد في تنفل من عليه فوائت، قاله الشيخ محمد بن الحسن: ولو صلى جماعتان بإمامين في مسجد واحد معا أساءوا وصحت صلاتهم كما مر، وفي الحطاب عن القاضي: أن الجماعة إذا كانت بموضع لا يجوز لها أن تفترق طائفتين فتصلي كل طائفة منها بإمام على حدة، لقول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ}، ألا ترى أن الله تعالى لم يبح ذلك للغزاة مع شدة الخوف؟ وشرع لهم أن يجمعوا على إمام واحد، ولهذا إذا كان قوم مجتمعون في سفينة لا يجوز لهم أن يتفرقوا على طائفتين في الصلاة، فإذا نزل بعضهم فأقام الصلاة الذين بقوا في السفينة، فإذا جاء الذين نزلوا كره لهم أن يجمعوا الصلاة