وكما قد جاء قوله -صلى الله عليه وسلم-: "توافُون سبعين أمَّة أنتم أخْيَرهم"، رواه الدارميّ؛ أي: خَيْرهم، وكما قد جاء عنه -صلى الله عليه وسلم-: "لينتهينّ أقوامٌ عن وَدْعهم الجمعات"، رواه مسلم، وكل ذلك جاء مَنْبَهَةً على الأصل المرفوض، والمستعمل الفصيح كما جاء في الرواية الأخرى:"أشدّ بياضًا من الثلج"، ولا معنى لقول من قال من مُتعسِّفة النحاة: لا يجوز التلفظ بهذه الأصول المرفوضة؛ مع صحَّة هذه الروايات، وشهرة تلك الكلمات. انتهى (١).
وقال في "الفتح": قوله: "ماؤه أبيض من اللبن" قال المازريّ: مقتضى كلام النحاة أن يقال: أشدّ بياضًا، ولا يقال: أبيض من كذا، ومنهم من أجازه في الشعر، ومنهم من أجازه بقلّة، ويشهد له هذا الحديث وغيره.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون ذلك من تصرف الرواة، فقد وقع في رواية أبي ذرّ عند مسلم بلفظ:"أَشَدّ بياضًا من اللبن"، وكذا لابن مسعود عند أحمد، وكذا لأبي أمامة عند ابن أبي عاصم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "من تصرّف الرواة" فيه نظر لا يخفى، بل الأَولى أن يُجعل لغة، وإن كانت قليلة، فتأملّ بالإمعان، ثم رأيت العينيّ -رَحِمَهُ اللهُ- تعقّب الحافظ في هذا، ونصّه: قلت: القول بأن هذا جاء من النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أَولى من نسبة الرواة إلى الغلط، على زعم النحاة، واستشهاده لذلك برواية مسلم لا يفيده؛ لأنه لا مانع أن يكون النبيّ -صلى الله عليه وسلم- استَعْمَل أفعل التفضيل من اللون، فيكون حجة على النحاة. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد العينيّ -رَحِمَهُ اللهُ- في هذا التعقّب، وأفاد، والله تعالى أعلم.
(١) "المفهم" ٦/ ٩٢. (٢) "الفتح" ١٥/ ١٧٦، كتاب "الرقاق" رقم (٦٥٧٥). (٣) "عمدة القاري" ٢٣/ ١٣٩.