لأن الصلاة الثانية هناك تؤدى في وقتها، فتستغني عن تجديد الإعلام، أما الثانية هنا .. ففي غير وقتها، فتحتاج إلى إقامة أخرى؛ للإعلام بالشروع فيها.
وإنما جمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء في مزدلفة؛ لأن للناس يومئذ اجتماعًا لم يعهد في غير هذا الموطن، والجماعة الواحدة مطلوبة، ولا بد من إقامتها في مثل هذا الجمع؛ ليراه من هنالك، ولا يتيسر اجتماعهم في وقتين، وأيضًا فلأن للناس اشتغالًا بالذكر والدعاء، وهما وظيفة هذا اليوم، ورعاية الأوقات وظيفة جميع السنة، وإنما يرجح في مثل هذا الشيء البديع النادر، فيقدم رعايته.
(ثم) بعدما فرغ من الصلاتين (ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم) ناقته القصواء (حتى أتى الموقف) أي: أرض عرفات، واللام فيه للعهد الذهني؛ والمراد: موقفه الخاص.
قال بعضهم: والحكمة في الوقوف بعرفة أن اجتماع المسلمين في زمان واحد ومكان واحد راغبين في رحمة الله تعالى داعين له متضرعين إليه .. له تأثير عظيم في نزول البركات، وانتشار الروحانية، ولذلك كان الشيطان يومئذ أدحر وأحقر ما يكون.
وأيضًا فاجتماعهم ذلك تحقيق لمعنى العرضة، وخصوص هذا اليوم وهذا المكان متوارث عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على ما يذكر في الأخبار عن آدم فمن بعده، والأخذ بما جرت به سنة السلف الصالح أصل أصيل في باب التوقيت. انتهى "فتح الملهم".
وقيل: إن إبراهيم عليه السلام حين أمر بالتأذين بالحج .. وقف على جبل الرحمة فنادى عليه، فلذلك اجتمعوا هناك؛ تلبيةً لندائه، والله أعلم.