وقد يكون التناسبُ غريبًا نابعًا لتناسب شيئين آخرين، كقوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)} [الرحمن: ٦]، فإن التناسب أوجده ما يأتي بعده من قوله:{وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا}، وقوله: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠)}؛ لأن النجم من توابع السماء والشجر من توابع الأرض. ثم يكفي في هذه المناسبة التقارنُ في الغرض المسوق له الكلام.
ولهذا كان العطف بالفاء وثم وحتى أوسعَ في هذه المناسبة المشروطة؛ لأن الترتب أو المهلة أو الغاية كلها مناسبات كافية لتصحيح العطف لأنها دالة على التقارن في الوجود. وهذا التقارن مهيِّئ للمناسبة ومسوِّغٌ للعطف، لكنه يزداد حسنًا إذا قوِيَ التناسب. ولذا كان أصل الفاء التفريع ما لم تبعد المناسبة، ألا ترى كيف حسن العطف في قول عمرو بن كلثوم:
(١) البيت لمحمد بن وُهيب الحميري، وقد سبق التعريف به. الأصفهاني: كتاب الأغاني، ج ١٩، ص ٧٥ (نشرة القاهرة)؛ الأغاني، ج ٧/ ١٩، ص ٥٣ (نشرة الحسين). (٢) هذا تهكم، أي نزلتم بأرضنا لِحَربنا فبادرنا بقتالكم، فجعل نزولَهم ضيافة وقتاله إياهم قِرى، فلما عبر عن المعنيين. - المصنف. البيت هو السابع والثلاثون من معلقته. ديوان عمرو بن كلثوم، تحقيق إميل بديع يعقوب (بيروت: دار الكتاب العربي، ط ٢، ١٤١٧/ ١٩٩٦)، ص ٧٣.