موحِّدٌ، وبه عارفٌ، ومِن كلِّ ما يُعبَدُ مِنْ دونِه بريءٌ. قالوا: ولو جازَ أن يكونَ قد أتى عليه بعضُ الأوقاتِ وهو به كافرٌ، لم يَجُزْ أن يختصَّه بالرِّسالةِ .. ، وزَعموا أنَّ خبرَ الله عن قيلِ إبراهيمَ عند رؤيَتِه الكوكبَ، أو القمرَ، أو الشَّمسَ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]. لم يَكُنْ لجَهلِه بأنَّ ذلك غيرُ جائزٍ أن يكونَ ربَّه، وإنَّما قالَ ذلك على وَجهِ الإنكارِ مِنه أن يكونَ ذلك ربَّه، وعلى العَيبِ لقومِه في عبادتِهم الأصنامَ .. ، وقالَ آخرون مِنهم: بل كانَ ذلك مِنه في حالِ طفولتِه، وقبلَ قيامِ الحُجَّةِ عليه .. ، وقالَ آخرون مِنهم: إنَّما معنى الكلامِ: أهذا رَبّي! على وَجهِ الإنكارِ والتَّوبيخِ؛ أي: ليس هذا رَبّي» (١)، ثُمَّ قالَ بعد ذلك:«وفي خبرِ الله تعالى عن قيلِ إبراهيمَ حين أفلَ القَمرُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧] الدَّليلُ على خطأِ هذه الأقوالِ التي قالَها هؤلاءِ القَومُ، وأنَّ الصَّوابَ مِنْ القَولِ في ذلك: الإقرارُ بخبرِ الله تعالى ذِكرُه، الذي أخبرَ به عنه، والإعراضُ عمّا عداه»(٢).
ومِثلُ ذلك قولُه في قولِه تعالى ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]، حيث ذكرَ أقوالَ أهلِ التأويلِ في مبلَغِ هَمِّ يوسفَ ﵇؛ وأنَّه جلسَ مِنها مجلِسَ الرَّجلِ مِنْ زوجتِه (٣)، ثُمَّ ذكرَ توجيهَ أهلِ العلمِ لذلك وقالَ: «فإن قالَ قائلٌ: وكيف يَجوزُ أن يوصَفَ يوسفُ بمثلِ هذا، وهو لله نبيٌّ؟! قيلَ: إنَّ أهلَ العلمِ اختلفوا في ذلك؛ فقال بعضُهم: كانَ مَنْ ابتُليَ مِنْ الأنبياءِ بخَطيئَةٍ، فإنَّما ابتلاه الله بها ليكونَ مِنْ الله ﷿ على
(١) جامع البيان ٩/ ٣٥٩. (٢) جامع البيان ٩/ ٣٦١. (٣) ذكروا ذلك بتفاصيلَ زائدةٍ عن ظاهرِ معنى اللَّفظِ، تُنظر في ١٣/ ٨٢ - ٨٥.