ثالثُها: أنَّ فيه السَّلامةُ مِنْ التَّأويلِ والتَّقديرِ الذي يلحقُ غيرَ الأشهرِ الأفصحِ في غالبِ الأمرِ، وهو ما أشارَ إليه بقولِه:«وإنَّما قُلتُ ذلك أَولى التَّأويلَيْن بالكلامِ؛ لأنَّ ذلك أظْهرُ معنيَيْه، وأنَّه لا حاجةَ بنا -إذا وجَّهْنا تأويلَ الكلامِ إلى ذلك- إلى تحويلِ معنى اللامِ التي في قولِه ﴿وَهُمْ لَهَا﴾ [المؤمنون: ٦١] إلى غيرِ معناها الأغلبِ عليها»(١).
٣ - عادةُ العربِ في كلامِها، وربَّما سمَّاها: اللُّغةَ الجيِّدةَ، والقياسَ الصَّحيحَ. ومُرادُه بها: المعتادُ مِنْ كلامِ العربِ؛ ممّا ثبتَ به السَّمعُ، وقَبِلَه القياسُ. وهو أكثرُ ما استدلَّ به ابنُ جريرٍ (ت: ٣١٠) مِنْ مراتبِ دليلِ اللُّغةِ؛ حيثُ بلغت مواضِعُ استدلالِه به (٧٣٠) موضِعاً؛ مِنها قولُه في معنى قولِه تعالى ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ [القصص: ٨٢]: «وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصِّحَّةِ القولُ الذي ذكَرنا عن قتادةَ؛ مِنْ أنَّ معناه: ألَمْ تَرَ، ألَمْ تعلَمْ. للشّاهدِ الذي ذكَرنا فيه مِنْ قولِ الشَّعرِ، والرِّوايةِ عن العربِ»(٢)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]: «وأَولى القَولَيْن في ذلك بالصَّوابِ قَولُ مجاهدٍ (٣)؛ لأنَّ العربَ تُسَمّي كُلَّ صانِعٍ خالِقاً» (٤)، وقولُه في قولِه تعالى ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]: «وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصَّوابِ قَولُ مَنْ قالَ: معنى ذلك إلا بحُجَّةٍ وبيِّنةٍ. لأنَّ ذلك هو معنى السُّلطانِ في كلامِ العربِ»(٥).
(١) جامع البيان ١٧/ ٧٣. (٢) جامع البيان ١٨/ ٣٤١. (٣) يعني قولَه: «خيرُ الصّانعين». جامع البيان ١٧/ ٢٥. (٤) المرجعُ السّابق. (٥) جامع البيان ٢٢/ ٢٢١. وينظر: ٧/ ٢٧٢، ١١/ ٦٠٩، ١٧/ ٤٨٤، ٢١/ ٣٢٩، ٢٣/ ٥٥٧، ٢٤/ ٥٢٥.