قال القاضي عياض: انظر مما في هذا القول من جماع الفضل، ودرجات الإحسان، وحسن الخلق، وكرم النفس، وغاية الصبر والحلم، إذ لم يقتصر -صلى الله عليه وسلم- على السكوت عنهم حتى عفا عنهم ثم أشفق عليهم ورحمهم ودعا وشفع لهم فقال: اغفر أو اهد، ثم أظهر سبب الشفقة والرحمة بقوله:"لِقَوْمِي"، ثم اعتذر عنهم بجهلهم فقال:"فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ". (٣)
والحديث في بيان حلمه -صلى الله عليه وسلم- كثير. فَعَنْ جَابرٍ أخبر أنهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- قِبَلَ نَجْدٍ فَلَمّا قَفَلَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قَفَلَ مَعَهُ فَأَدْرَكَتْهُمْ الْقَافِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنزلَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنزلَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- تَحْتَ سَمُرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ وَنمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يدْعُونَا وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَال: إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيفي وَأنا نَائِمٌ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدهِ صَلْتًا، فَقَال: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: الله ثَلَاثًا وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ. (٤)
وعَنْ أنس قَال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- قَدْ أثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَال: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مَالِ الله الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ ضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. (٥)
(١) مسلم (٢٥٩٩). (٢) البخاري (٣٤٧٧). (٣) انظر الشفا ١/ ١٢٠. (٤) البخاري (٢٩١٠)، مسلم (٨٤٣). (٥) البخاري (٥٨٠٩)، مسلم (١٠٥٧).