وَقَدْ تَقَدَّمَ أَمْثَالُهُ قَبْلَ هَذَا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ جَزَاءُ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّ فِي مُقَابَلَتِهَا ثَوَابًا بِثَوَابٍ وَعِقَابًا بِعِقَابٍ، وَدَرَجَاتٍ وَدَرَكَاتٍ؛ وَذَلِكَ مُحَقَّقٌ فِي كِتَابِ الْمُشْكَلَيْنِ.
[مَسْأَلَةُ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى مِثْلُ مَا قَتْلَ مِنْ النَّعَمِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: {مِثْلُ} [المائدة: ٩٥] قُرِئَ بِخَفْضِ مِثْلَ عَلَى الْإِضَافَةِ إلَى {فَجَزَاءٌ} [المائدة: ٩٥]. وَبِرَفْعِهِ وَتَنْوِينِهِ صِفَةً لِلْجَزَاءِ؛ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ رِوَايَةً، صَوَابٌ مَعْنًى، فَإِذَا كَانَ عَلَى الْإِضَافَةِ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ غَيْرَ الْمِثْلِ؛ إذْ الشَّيْءُ لَا يُضَافُ إلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا كَانَ الصِّفَةُ بِرَفْعِهِ وَتَنْوِينِهِ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمِثْلُ هُوَ الْجَزَاءَ بِعَيْنِهِ، لِوُجُوبِ كَوْنِ الصِّفَةِ عَيْنَ الْمَوْصُوفِ؛ وَسَتَرَى ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ مَشْرُوحًا إنْ شَاءَ اللَّهَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْله تَعَالَى: {مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: ٩٥]
قَدْ بَيَّنَّا فِي " مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ " دَرَجَاتِ حَرْفِ مِنْ، وَأَنَّ مِنْ جُمْلَتِهَا بَيَانُ الْجِنْسِ، كَقَوْلِك: خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَقَدَّمْنَا قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ السَّرَّاجِ فِي شَرْحِ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ الَّذِي أَوْقَفَنَا عَلَيْهِ شَيْخُ السُّنَّةِ فِي وَقْتِهِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَضْرَمِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّهَا لَا تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ بِحَالٍ، وَلَا فِي مَوْضِعٍ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّبْعِيضُ فِيهَا بِالْقَرِينَةِ، فَجَاءَتْ مُقْتَرِنَةً بِقَوْلِهِ: {مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: ٩٥] لِبَيَانِ جِنْسٍ مِثْلِ الْمَقْتُولِ الْمُفْدَى، وَأَنَّهُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةُ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْله تَعَالَى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: ٩٥]
قَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وَمِثْلُ الشَّيْءِ حَقِيقَتُهُ وَهُوَ شَبَهُهُ فِي الْخِلْقَةِ الظَّاهِرَةِ، وَيَكُونُ مِثْلَهُ فِي مَعْنًى، وَهُوَ مَجَازُهُ؛ فَإِذَا أُطْلِقَ الْمِثْلُ اقْتَضَى بِظَاهِرِهِ حَمْلَهُ عَلَى الشَّبَهِ الصُّورِيِّ دُونَ الْمَعْنَى، لِوُجُوبِ الِابْتِدَاءِ بِالْحَقِيقَةِ فِي مُطْلَقِ الْأَلْفَاظِ قَبْلَ الْمَجَازِ حَتَّى يَقْتَضِيَ الدَّلِيلُ مَا يَقْضِي فِيهِ مِنْ صَرْفِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلَى مَجَازِهِ؛ فَالْوَاجِبُ هُوَ الْمِثْلُ الْخِلْقِيُّ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِالْمِثْلِ. فِي الْقِيمَةِ دُونَ الْخِلْقَةِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.